عليك إلّا بعد إخراج السّنّور ، وقطع الطمع منك ، ويلزم غلمانه وأعوانه بما التزمه من هذه الشروط ، فإنّ أكثر ما تتطرق التّهم إلى المحتسب من غلمانه وأعوانه ، فإن علم أنّ أحدا منهم أخذ رشوة وقبل هدية صرفه عنه لينفى عنه الظّنون وتنجلى عنه الشبهات ، فإنّ ذلك أزيد لتوقيره وأتقى للطعن في دينه .
فصل
وليكن سمته الرفق ولين القول وطلاقة الوجه وسهولة الأخلاق عند أمره النّاس ونهيه ، فإنّ ذلك أبلغ في استمالة القلوب وحصول المقصود ؛ قال اللّه تبارك وتعالى لنبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم :
فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ
« 1 » ولأنّ الإغلاظ في الزجر ربّما أغرى بالمعصية والتّعنيف بالموعظة ينفّر القلوب .
حكى أنّ رجلا دخل على المأمون « 2 » ، فأمره بمعروف ونهاه عن منكر ، وأغلظ له في القول ، فقال له المأمون : يا هذا إنّ اللّه أرسل من هو خير منك لمن هو شر منّى فقال لموسى وهارون :
فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى
« 3 » ثمّ أعرض عنه ولم يلتفت إليه ، ولأنّ الرّجل قد ينال بالرفق ما لا ينال بالتّعنيف ، كما قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « إنّ اللّه رفيق يحبّ كلّ رفيق ، ويعطى على الرّفق ما لا يعطى على العنف « 4 » » واللّه أعلم .
هامش
( 1 ) سورة آل عمران آية ( 159 )
( 2 ) المأمون : ( 170 - 218 ه ) عبد اللّه بن هارون الرشيد بن محمد المهدى بن جعفر المنصور ، أبو العباس . سابع الخلفاء من بنى العباس تمم ما بدأه جده المنصور ، وفي عهده ترجمت كتب الفلسفة ، وأطلق حرية الكلام للباحثين ، كان فصيحا واسع العلم ، قرب العلماء والمتكلمين ، وكان أمره مطاعا من أفريقية إلى أقصى خراسان ( تاريخ بغداد ح 1 ص 183 . المسعودي ح 2 ص 248 . الطبري ح 10 ص 293 . ابن الأثير ح 6 ص 144 )
( 3 ) سورة طه آية ( 44 )
( 4 ) الحديث : عن عائشة رضى اللّه عنها أنها قالت . قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . رواه البخاري ومسلم وفي رواية لمسلم وزاد ( وما لا يعطى على سواه ) الترغيب والترهيب ح 4 ص 194 .
الجامع الصغير ص 63