وقد قال ابن عربى في الفص الثالث والعشرين « 1 » الذي عقده تحت عنوان « الحكمة الإحسانية » : موضوع هذا الفص الإحسان ، وهو في اللغة فعل ما ينبغي أن يفعل الخير بالمال أو بالقول أو بالعمل . وفي الشرع أن تتوجه إلى اللّه في عبادتك بكليتك وتتمثله في محرابك ، كما ورد في الحديث المشهور عندما سئل النبي عن الإحسان ما هو ؟ فقال أن تعبد اللّه كأنك نراه ، وهو ( أي الإحسان ) في عرف أصحاب وحدة الوجود شهود الحق « 2 » في جميع المراتب الوجودية والتحقق من أنه متجل في كل شئ . وهذا الأخير « 3 » هو المعنى الذي يدور عليه هذا الفص ( أي الباب ) . والذي يستخلصه المؤلف ( يعنى نفسه ) من الآيات الوارة في حق لقمان في قوله تعالى
( وَإِذْ قالَ لُقْمانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ )
:
يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ )
« 4 »
( يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ )
« 5 » . فلقمان في هذا الفص لسان من ألسنة وحدة الوجود .
وقد زاد في شهرة ابن عربى تفوقه في الأدب ولا سيما الشعر ومن شعره الصوفي قوله في اللّه جل شأنه :
يا من يراني ولا أراه * كم ذا أراه ولا يراني
وقد سئل ابن عربى في قوله إنه يرى اللّه ولا يراه اللّه فقال مرتجلا :
يا من يراني مجرما * ولا آراه آخذا
كم ذا أراه منعّما * ولا يراني لائذا
وهذا يؤكد أن ابن عربى كان يأخذ بمبدأ التأويل الذي سار عليه الشيعة وجمهرة المتصوفين ، على حين أنه كان ظاهريا في العبادات كالصوم والصلاة والزكاة والحج . من ذلك قوله في ضبط ليلة القدر التي اختلف الفقهاء في تحديدها .
وإنّا جميعا إن نصم يوم جمعة * ففي تاسع العشرين خذ ليلة القدر
هامش
( 1 ) المصدر نفسه : تعليقات الدكتور أبو العلا عفيفي ص 276 .
( 2 ) يعرفه باصلاح أهل الباطن .
( 3 ) يعنى اصلاح أهل الباطن .
( 4 ) سورة لقمان 31 : 13 .
( 5 ) سورة لقمان 31 : 16 .