المذهب القائل بعدم فناء النفوس الجزئية المتكثرّة « 1 » رفضا باتا ، مخالفا في ذلك مذهب ابن سينا . ولا بقاء للنفس عنده إلا باعتبارها كمالا لجسدها .
ويشتمل مذهب ابن رشد على ثلاثة آراء : إلحادية تجعله مخالفا للديانات السماوية الثلاث وهي : اليهودية والمسيحية والإسلام . وأولها قوله بقدم العالم المادي والعقول المحركة له « 2 » ، وثانيها قوله بارتباط حوادث الكون جميعها ارتباط علة بمعلول على وجه ضروري لا يترك مجالا للعناية الإلهية أو للخوارق أو نحوها ، وثالثها قوله بفناء جميع الجزئيات « 3 » ، وهو قول يجعل الخلود الفردى غير ممكن .
وعلى كل فابن رشد مفكر جرىء منطقي لا اضطراب في فكره ، وإن لم يكن مفكرا مبتدئا . وعلى الرغم من تولّيه مناصب قضائية إسلامية فكثيرا ما هاجم المتكلمين وغيرهم من فقهاء المسلمين . فقد كان ابن رشد قاسيا على الذين يقولون إنّ الخير خير لأن اللّه أمر به ، والشر شر لأن اللّه نهى عنه . ويقول إن العمل يكون خيرا أو شرا لذاته أو بحكم العقل ، والعمل الخلقي هو الذي يصدر فيه الإنسان عن معرفة عقلية . وينبغي بالطبع ألا يكون مرجعنا الأخير إلى عقل الفرد بل إلى ما تمليه مصلحة الدولة .
وابن رشد ينظر إلى الدين أيضا بعين النظر السياسي ، فهو يعظم الدين لما يرمى إليه من غايات خلقية ، ويقول إن الواجب يحتم على الناس أن يؤمنوا بما جاء به الكتاب كما هو وما في الكتاب حق ، وهو يروى في صورة قصص لأنه موجه إلى أطفال كبار . ومجاوزة العامة ذلك شرّ لهم .
على أن ابن رشد يرى أنه يجوز للفلاسفة أن يؤولوا آيات القرآن وهم إذ يفهمون مراميه على نور يكون في ذلك الحقيقة العليا . « 4 »
وقد أثرت مؤلفات ابن رشد في الأندلس وفي الفكر الأوربى ولا سيما في إيطاليا حتى القرن السادس عشر الميلادي . « وكان لمذهبه أتباع من المسلمين والأوربيين . وعلى الرغم
هامش
( 1 ) أي المتوالدة تناسليا .
( 2 ) بمعنى أنه لم يجعل اللّه سبحانه هو القديم وحده كما قالت بذلك الكتب السماوية بل إن العالم قديم كذلك .
( 3 ) وبهذا لا يمكن أن يكون هناك بعث .
( 4 ) انظر دى بور : تاريخ الفلسفة في الإسلام ص 394 - 398 .