ومن كتب الفتح بن خاقان البليغة هذه الرسالة التي بعث بها إلى أبى بكر بن علي ( بن تاشفين ) عند ولايته إشبيلية :
« أطال اللّه تعالى بقاء الأمير الأجل أبى بكر للأرض يتملكها ويستدير بسعده فلكها . استبشر الملك وحق له الاستبشار وأومأ إليه السعد في ذلك وأشار ؛ بما اتفق له من توليتك وخفق عليه من ألويتك . فلقد حبى منك بملك أمضى من السهم المسدّد ، طويل نجاد السيف رحب للمقلّد « 1 » يقدم حيث يتأخر الذابل « 2 » ويكرم إذا بخل الوابل ( المطر ) ، ويحمى الحما كربيعة بن ميكدّم ( بضم الميم وفتح الكاف مع الدال المشددة هو أحد فرسان الجاهلية ) ويسقى الظبا « 3 » نجيعا « 4 » كاون العندم « 5 » . فهنيئا للأندلس لقد استردّت عهد خلفائها واستمدت تلك الإمامة بعد إغفائها ، حتى كأن لم تمر إعصارها ولم يمت حكمها ولا ناصرها اللذان عمرا الرصافة والزهرا ( يقصد مدينة الزاهر التي بناها عبد الرحمن الناصر ) ونكحا ( تزوج ) عقائل الروم وما بذلا إلا المشرفية ( سيف اليمن ) مهرا . واللّه تعالى أسأله انتصار أيامك ، وبه أرجو انتشار أعلامك حتى يكون عصرك أعجب من عصرهم ونصرك أعز من نصرهم والسلام » « 6 » .
وللفتح بن خاقان شعر كثير ، ولكنه لا يرتقى إلى منزله نثره البليغ ، ومن أحسن ما نظم قوله يستعطف الحكم المستنصر ( 350 - 366 ه ) ويحن إلى مثواه بإشبيلية :
ويحك يا سلم لا تراعى « 7 » * لا بد للبين من مساع
لا تحسبينى صبرت إلا * كصبر ميت على النزاع « 8 »
ما خلق اللّه من عذاب * أشدّ من وقفة الوداع
هامش
( 1 ) إشارة إلى سعة الصدر الدال على الشجاعة ، وكان يعلق به السيف ، ويرمز به إلى فراهة الجسم .
( 2 ) يريد به الرمح أو حامله .
( 3 ) جمع ظبية ( بضم الظاء ) حد السيف .
( 4 ) النجيع دم القلب
( 5 ) هو زهر لونه كلون الدم
( 6 ) المقرى : نفح الطيب ج 9 ص 248 - 249
( 7 ) يقصد لا تخافي
( 8 ) النزاع نزعة الموت