فلم يوفق في هذا المقام فخرج . وبعد حين قدم إلى الوزير عشر مقامات .
وكان الحريري ضئيل الجسم زرى المنظر عصبى المزاج ، يقتلع شعرات لحيته إذا اشتغل بالتفكير أو الكتابة . ولكنه مع هذا كان موضع تقدير الناس وإكبارهم . ويحكى أن شخصا زاره ، وأراد أن يتلقى عليه شيئا من العلم لذيوع شهرته ، فلما وقع بصره عليه استزرى منظره بأدرك الحريري ما دار في نفسه . ولما طلب هذا الشخص إلى الحريري أن يملى عليه شيئا من الأدب قال له : أكتب وأملاه هذين البيتين :
ما أنت أول سار غرّه قمر * ورائد أعجبته خضرة الدّمن « 1 »
فاختر لنفسك غيرى إنني رجل * مثل المعيدى « 2 » تسمع بي ولا ترني « 3 »
اشتملت مقامات الحريري على فوائد جمة عددها في قوله : « وأنشأت على ما أعانيه من قريحة جامدة وقطنة خالدة وروية ناضبة وهموم ناصبة ، خمسين مقامة تحتوى على جد القول وهزله ورقيق اللفظ وجزله ، وغرر « 4 » البيان ودرره وملح الأدب ونوادره إلى ما وشّحتها « 5 » به من الآيات ومحاسن الكنايات ، ورصعته فيها من الأمثال العربية واللطائف الأدبية والأحاجى « 6 » النحوية والفتاوى اللغوية والرسائل المبتكرة والخطب المحبّرة « 7 » والمواعظ المبكية والأضاحيك المهية ، مما أمليت جميعة على لسان أبى زيد السّروجى وأسندت روايته إلى الحارث بن همام البصري « 8 » . وما قصدت بالأحماض « 9 » فيه إلا تنشيط قارئيه وتكثير سواد طالبيه . ولم أودعه من الأشعار
هامش
( 1 ) يشير إلى الحديث النبوي وهو قوله صلى اللّه عليه وسلم إياكم وخضراء الدمن . قالوا :
وما خضراء الدمن يا رسول اللّه ؟ قال : المرأة الحسناء في المنبت السوء . ويشير الرسول إلى أن النبات يخرج رائعا شديد الحضرة فوق السماد المتخلف من فضلات الحيوان .
( 2 ) بضم الميم وفتح العين وسكون الباء وفتح الياء الثانية مع التشديد .
( 3 ) يشير إلى المثل العربي « لأن تسمع بالمعيدى خير من أن تراه . والمعبدى شخص قميىء المنظر ذو شهرة . أنظر ابن خلكان ج 3 ص 227 - 231 .
( 4 ) جمع غرة وهي خيار الشئ .
( 5 ) من الوشاح وهو القلادة .
( 6 ) جمع أحجية وهي الأغلوطة يختبر بها العقل .
( 7 ) من التحبير وهو التزين .
( 8 ) يقصد نفسه ، وهذا مأخوذ من قوله عليه الصلاة والسلام : كلكم حارث وكلكم همام .
( 9 ) الاحماض : الانتقال من أسلوب إلى آخر ، مأخوذ من إحماض الإبل وهو انتقالها من مرعى حلو إلى مالح .