والثانية في سنة 399 . لكنه رجع إلى المعرة ولزم منزله ، وشرع في التصنيف ، وسمى نفسه رهين المحبسين للزومه منزله وذهاب بصره « 1 » .
كان أبو العلاء منذ نعومة أظفاره شاعرا مطبوعا . قرض الشعر وهو في الحادية عشرة من عمره ، وكان متضلعا في فنون الأدب والنحو واللغة ، حتى قيل إنه كان يحفظ كتاب الجمهرة لابن دريد ، « وأخذ عنه الناس وسار إليه الطلبة من الآفاق ، وكاتبه العلماء والوزراء وأهل الأقدار » . وقد عدد ابن خلكان مصنفات أبى العلاء فقال :
« وله التصانيف الكثيرة المشهورة والرسائل المأثورة ، وله من النظم » لزوم ما لا يلزم « 2 » ، وهو كبير يقع في خمسة أجزاء أو ما يقاربها . وله « سقط الزند » « 3 » أيضا ، وشرحه بنفسه وسماه « ضوء السقط » . وبلغني أن له كتابا سماه « الأيك والغصون » وهو المعروف بالهمزة والردف ( الحرف الذي قبل الهمزة ) يقارب المائة جزء في الأدب أيضا . ولما فرغ من تصنيف كتاب « اللامع العزيزي » في شرح شعر المتنبي وقرئ عليه ، أخذ الجماعة في وصفه ، فقال أبو العلاء : كأنما نظر المتنبي إلىّ بلحظ الغيب حيث يقول :
أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبى * وأسمعت كلماتي من به صمم
اختصر أبو العلاء ديوان أبى تمام وشرحه وسماه « ذكرى حبيب » ، وديوان البحتري وسماه « عبث الوليد » ، وديوان المتنبي وسماه « معجز أحمد » ؛ وتكلم على غريب أشعارهم ومعايبها ومآخذهم من غيرهم وما أخذ عليهم ، وتولى الانتصار لهم والنقد في بعض المواضع عليهم والتوجيه في أماكن لخطئهم .
كانت لأبى العلاء آراء فلسفية عميقة ؛ فتراه في لزومياته جريئا مبتكرا ، وله آراؤه في الأخلاق والنقد الاجتماعي . ولم يقنع بإظهار النقائص الاجتماعية والسياسية في جرأة ، بل جعل الحياة السياسية كلها موضوعا لبحثه ، وأخذ يتأمل في أعمق معضلاتها « 4 » .
يؤيد هذا قوله في لزومياته ( ص 64 ) .
أفيقوا أفيقوا يا غواة فإنما * دياناتكم مكر من القدماء
أرادوا بها جمع الحطام فأدركوا * وبادروا فماتت سنة اللؤماء
هامش
( 1 ) ابن خلكان ج 1 ص 33 - 34 .
( 2 ) طبعة القاهرة سنة 1891 .
( 3 ) طبعة بولاق سنة 1286 ه في جزأين .
( 4 ) نيكلسون : انظر « مادة أبو العلاء المعرى » في ترجمة دائرة المعارف الإسلامية .