يخاف هجوه ، « فدس عليه من سمه في خشكنانة « 1 » وهو في مجلسه . « فلما أكلها أحس بالسم ، فقام ، فقال له الوزير : إلى أين تذهب ؟ فقال : إلى الموضع الذي بعثتني إليه ، فقال له : سلم على والدي ، فقال له : ما طريقي على النار . وخرج من مجلسه ، وأتى منزله ، وأقام أياما ومات . وكان الطبيب يتردد إليه ويعالجه بالأدوية النافعة للسم ، فزعم أنه غلط في بعض العقاقير ، وقال إبراهيم بن محمد بن عرفة الأزدي المعروف بنفطويه : رأيت ابن الرومي يجود بنفسه ، فقلت له : ما حالك ؟ فأنشد :
غلط الطبيب علىّ غلطة مورد * عجزت موارده عن الإصدار
والناس يلحون « 2 » الطبيب وإنما * غلط الطبيب إصابة المقدار
( ج ) أبو الطيب المتنبي :
ومن فحول شعراء هذا العصر أبو الطيب أحمد بن الحسين الكوفي المعروف بالمتنبى ( 302 - 354 ه ) ، ولد في محلة كندة بالكوفة . ويقال إنه كان في أول أمره سقاء بالكوفة ، ثم رحل إلى الشام ، وإلى هذا يشير أحد الشعراء في هجائه له :
أىّ فضل لشاعر يطلب الفضل * من الناس بكرة وعشيا
عاش حينا يبيع في الكوفة الما * ء وحينا يبيع ماء المحيا « 3 »
اتصل المتنبي بسيف الدولة الحمداني في سنة 337 ه ، وأصبح لسانا ناطقا يشيد بمديحه . وكان - كما يقول الثعالبي ( ج 1 ص 90 ) نادرة الفلك وواسطة عقد الدهر في صناعة الشعر . ثم هو شاعر سيف الدولة المنسوب إليه المشهور به ؛ إذ هو الذي جذب بضبعه « 4 » ورفع من قدره ، ونفق سعر شعره ، وألقى عليه شعاع سعادته ، حتى سار ذكره مسير الشمس والقمر ، وسافر كلامه في البدو والحضر ، وكادت الليالي تنشده والأيام تحفظه ، كما قال وأحسن ما شاء :
وما الدهر إلا من رواة قصائدى * إذا قلت شعرا أصبح الدهر منشدا
فسار به من لا يسير مشمرا * وغنىّ به من لا يغنى مغرّدا
هامش
( 1 ) الخشكنان ؛ نوع من الفطائر المحشوة : يعجن دقيق الحنطة بالشيرج ، ثم يبسط ويملأ بالسكر واللوز أو الفستق وماء الورد ، ويجمع ويخبز ( عن تذكرة داود بتصرف ) .
( 2 ) لحا يلحاه لامه .
( 3 ) ابن خلكان ج 1 ص 27 .
( 4 ) الضبع العضد كلها .