[ مصابرة الأمور ]
واشتدّ همّ الوزير حتى عاف الشراب والطعام . وهجر لذيذ الكرى والمنام . وكانت له جارية مجرّبة ، لبيبة مهذّبة . قد أصلح التهذيب شمائلها وثقف التأديب خلائقها . فلما كثر عليها ما تراه من أمور مولاها . وكبر لديها ما يكابده بمشهدها ومرآها . قالت له : يا سيدي ألم تعلم أنّ العلماء مجمعون على أنه لا شيء أنحل للجسم من مساورة الهمّ ومكابدة الغم ؟ وإنما مدحت الحزمة من الرجال بمصابرة الأمور إذا اشتدت . وإعمال الحيلة فيها إذا ارتجّت أبوابها وانسدّت . وقد قيل : التأني في الحيلة خير من القوة والنجدة .
وقيل : ربّ رأي فلّ « 1 » جيشا .
وقيل : إياك والعجلة قبل المعرفة . وإياك والوثبة بعد الثقة .
[ الاستشارة ]
وقد كان الأفاضل من الملوك - مع استغنائهم بقرائحهم الثاقبة وبصائرهم النافذة - لا يخلون الأمور المتشابهة من الاستشارة . ولا يهملون الاستضاءة فيها بأنوار العقول السليمة الاستنارة . فإن أخطأ حدسهم كان ذلك سلّما لهم إلى العذر . وإن أصابوا فازوا بالسداد وشرف الذكر .
وقد قال بعض الحكماء : ثلاث لا يعدم المرء الرشد فيهنّ :
مشاورة ناصح ، ومداراة حاسد ، والتحبّب إلى الناس .
وقال آخر : لا تدرك الأمور بالرأي الفرد ، فليستعن مكدود
هامش
( 1 ) فلّ : هزم .