والتمييز بين ما يبعث الهوى على متابعته وبين ما يحضّ العقل على موافقته ، غامض لا يدركه إلّا من أنعم النظر وأدام السّهر ، وأطال الفكر .
ولذلك احتيج إلى المشورة . فإنّ المستشار سليم من الهوى . بعيد من الغرض الذي يمنع صاحبه من العمل بإيثار النهى . وقد قيل « 1 » :
وآفة العقل الهوى فمن علا * على هواه عقله فقد نجا
وكان وزيره ذا رأي أصيل . وعقل يستميل ولا يميل . قد خصّ بفطرة سليمة وفكرة مستقيمة . وظن تحسبه لصدقه نقيبة « 2 » . وإخلاص في المحبة وتحقق بالأمانة . وكان مع ذلك لا يخلي الملك تبصيره مواقع رشده . وتسديده إلى الصواب في رأيه وقصده . ولا يغفل إلقاء النصيحة في صدره وورده . والملك ذلك مطرّح لآرائه . معرض عن إرشاده إلى النصائح ودعائه . متضجر من دخوله عليه ، متبرم بلقائه .
إلى أن صار الوزير لا يتجاسر على حمل نصيحة . ولا يقدر على التنبيه على مصلحة صريحة . وهو مع ذلك ليمن نقيبته وصفاء عقيدته . يلتمس حيلة يستخلص بها الملك من تلك الحبائل « 3 » .
ويرتاد وسيلة يتوصّل بها إلى اطلاعه على ما يتوقعه من الغوائل « 4 » :
وكدّه في ذلك يكدي . وجدّه لا يجدي .
هامش
( 1 ) من مقصورة ابن دريد الشهيرة والتي أنشأها في مدح الأميرين ابني ميكال ومطلعها :أما ترى رأسي حاكى لونه * طرة صبح تحت أذيال الدجىوالبيت موجود في أمالي المرزوقي ، 322 ( رقم 181 ) . وانظر تعليقات وإضافات الدكتور الجبوري ، محقق الأمالي ، ص 286 .
( 2 ) النقيبة : النفس .
( 3 ) الحبائل ج . حبلة ، وهي : المصيدة .
( 4 ) الغوائل : الشدائد .