لأنوشتكين هذا الموصوف بهذه الصفات ولد سماه محمدا ، ومحمد هذا هو الذي قلنا : إنه يعتبر مؤسس الدولة الخوارزمية ، وقد عيى أنوشتكين بابنه هذا ، فعلمه وخرجه وأحسن تأديبه . ويضيف ابن الأثير على ذلك في حديثه عن محمد بن أنوشتكين : وتقدم بنفسه وبالعناية الأزلية . وقد صدق ابن الأثير بهذا القول ، فالصفات الشخصية وحدها لا تكفي للنجاح والتقدم إذا لم ترافقها العناية الأزلية .
والمر كما قال الوزير المغربي : والفضل ليس بنافع أربابه إلا بمسعفة من الأقدار ، كان السلطان السلجوقي بركيارق قد وليّ سنة 490 ه على خوارزم من اسمه ( أكنجي ) ولقبه خوارزم شاه فجمع عساكره ليلحق السلطان إلى مرو ، ولكن أميرين آخرين تآمرا عليه وقتلاه ، وسارا إلى خوارزم ، وأظهرا أن السلطان قد ولاهما فسيطرا عليها .
وبلغ ذلك إلى السلطان وكان في طريقه إلى العراق لإخماد تمرد عليه ، فأرسل أمير ذاد حبشي في جيش للقضاء عليهما ، فانتهى أمرهما في تفاصيل لا شأن لنا بها في موضوعنا هذا ، ثم وليّ السلطان على خراسان ( أمير ذاد حبشي ) ، فكان أن ولّي على خوارزم محمد بن أنوشتكين ولقبه خوارزم شاه .
وسار محمد هذا في ولايته سيرة حسنة فساد فيها العدل ، وقرب أهل العلم والدين ، واشتهر أمره بكل خير . وظل محمد في منصبه بتولي السلطان سنجر خراسان ، وبرزت كفايته ، فقدره سنجر أحسن تقدير ، وحاول بعض ملوك الأتراك مهاجمة خوارزم ومحمد غائب عنها عند السلطان سنجر ، فأسرع محمد إلى خوارزم ، وأرسل إلى سنجر يستمده وكان بنيسابور فسار لإنجاده بجيشه ، ولكن محمدا كان قد استطاع إخماد الفتنة قبل وصول سنجر .
ولما توفي محمد خوارزم شاه ، تولى بعده ابنه أتسز الذي كان قد تدرب على يدي أبيه فقاد الجيوش وباشر الحروب ، فسار سيرة أبيه .
فقربه السلطان سنجر ، ورفع من شأنه ، وجعله من أركان حكمه معتمدا عليه واستصحبه معه سلما وحربا ، فبرزت كفاءته وازداد عند سنجر تقدما ومنزلة .
تاريخ دولة آل سلجوق — صفحة 139
مساهمون: عماد الدين الكاتب الأصبهاني
ص١٣٩