ينصبون على رؤوس الجبال دبادب ، ويقيمون رقباء للفحص عن الهلال ، وألزموهم بإيقاد النّار ، وتدخين دخان يكون علامة لحصول الرّؤية .
وكانت بينهم ، وبين السّامرة « 1 » العداوة المعروفة . . فذهبت السّامرة ورفعوا الدّخان فوق الجبل قبل الرّؤية بيوم ، ووالوا بين ذلك شهورا اتّفق في أوائلها أنّ السّماء كانت متغيّمة ، حتّى فطن لذلك من في بيت المقدس ، ورأوا الهلال غداة اليوم الرّابع ، أو الثّالث ، من الشهر ، مرتفعا عن الأفق من جهة المشرق . . فعرفوا أنّ السّامرة فتنتهم . . فالتجئوا إلى أصحاب التّعاليم في ذلك الزّمان ؛ ليأمنوا بما يتلقّونه من حسابهم مكايد الأعداء واعتلّوا لجواز العمل بالحساب ، ونيابته عن العمل بالرّؤية بعلل ذكروها . . فعمل أصحاب الحساب لهم الأدوار ، وعلّموهم استخراج الاجتماعات ، ورؤية الهلال .
وأنكر بعض الربّانية حديث الرّقباء ، ورفعهم الدّخان . . وزعموا أن سبب استخراج هذا الحساب هو أنّ علماءهم علموا أنّ آخر أمرهم إلى الشّتات ، فخافوا إذا تفرّقوا في الأقطار ، وعوّلوا على الرّؤية أن تختلف عليهم في البلدان المختلفة فيتشاجروا ؛ فلذلك استخرجوا هذه الحسبانات ، واعتنى بها أليعازر ابن فروح ، وأمروهم بالتزامها ، والرّجوع إليها حيث كانوا .
والفرقة الثانية : هم « المبادئة » « 2 » الّذين يعلمون مبادئ الشّهور من الاجتماع . . ويسمّون : « القرّاء » ، و « الأسمعيّة » لأنّهم يراعون العمل بالنّصوص دون الالتفات إلى النّظر والقياس ، ولم يزالوا على ذلك إلى أن قدم « عانان » رأس الجالوت « 3 » من بلاد المشرق ، في نحو الأربعين ومائة من
هامش
( 1 ) السّامرة : وهم من جاء بهم ملك آشور ( تغلب فلاسى ) سنة ( 738 ق . م ) إلى شمرون ( نابلس ) ليحلوا بها نزلاء بدل من أجلاهم منها من اليهود .
( 2 ) في الأصل : « الميلادية » بدل : « المبادية » والتصويب من القراءون والربانون .
راجع : ( القراءون والربانون ، لمراد فرج ص 53 ) .
( 3 ) هو عانان بن داود رأس الجالية . اشتهروا بالانتساب إليه لمنزلته ومقامه .
راجع : ( المرجع السابق ص 51 ) .