شأنه أن يدعو المهدي إلى إنشاء مدينة تكون أكثر تحقيقا لأغراضه ، وتجاوبا مع حاجاته ، من المدن الداخلية التي جرى المسلمون من قبل على إنشائها كالقيروان ورقادة في أفريقية .
وقد احتفل المهدي لهذه المدينة ، وعنى بها عناية كبرى ، منذ أول أمرها إلى غايته ، منذ اختيار مكانها سنة 300 ه والإنتقال إليها سنة 308 ه وقد استطاع في هذه السنوات الخمس أو الثمان أن يجعل منها مكانا حصينا ، وأن يهيئها لتكون عاصمة ذلك الملك الواسع ، وأن يوفر لها من أسباب الحياة ومظاهر الحضارة ما يفي بتطلعه ويلائم مطامحه « 1 » .
وممّا استحسن في تهنئة المهديّ بعمارة المهديّة قول ابن بديل الكاتب « 2 » :
بنيت لدى أقصى المغارب دار * قطنت بها الأحرار والأبرار
لاذت ببرد الماء لمّا أن درت * أنّ القلوب على الحسين حرار
وكذلك قال بعض شعراء إفريقية مهنّئا المهديّ بسكنى المهديّة سنة 308 : « 3 »
ليهنك أيّها الملك الهمام * قدوم فيه للدّهر ابتسام
حططت الرّحل في بلد كريم * رعته لك الملائكة الكرام
لئن عظم الحرام وما يليه * كما عظمت مشاهده العظام
لقد عظمت بأرض الغرب دار * بها الصّلوات تقبل والصّيام
هي المهديّة الحرم الموقّى * كما بتهامة البلد الحرام
هامش
( 1 ) . الحاجري ، الدكتور محمد طه : مرحلة التشيّع في المغرب العربي وأثرها في الحياة الأدبية ، ص 10 ، دار النهضة العربية ، بيروت ، الطبعة الأولى ، 1403 ه / 1983 م .
( 2 ) . اليعلاوي ، محمد : الأدب بإفريقية في العهد الفاطمي ، ص 35 .
( 3 ) . اليعلاوي ، محمّد : الأدب بإفريقية في العهد الفاطمي ، ص 73 .