ولو كان العبد مجبورا في أفعاله لكان له على اللّه الحجة البالغة إذا أراد أن يعاقبه على معصيته ، وكان له أن ينسب الجور والظلم إلى اللّه في تعذيب عباده ، ولا محل لاعترافهم بالتقصير والتعذيب للرسل ، كما هو مفاد الآيات الكريمة ، وأي فائدة للرجعة التي يتمناها الكافر والمنافق ، كما حكى اللّه سبحانه ذلك عنهم ، إذا لم يكن الفعل تحت سلطان العبد .
قال سبحانه :
لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ
وقوله :
رَبِّ ارْجِعُونِ ( 99 ) لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ
وغيرهما من الآيات الكريمة الحاكية لطلب الرجعة بلسان العصاة ، وإذا لم تكن الأفعال من صنع العبد يكون هذا الطلب لغوا إذ لا اختيار له ليختار الأعمال الصالحة ويتجنب المعاصي .
وأخيرا فالعقل والكتاب والوجدان ، هذه الثلاث تشهد ببطلان هذه الشبهة ، وتثبت اختيار العبد في جميع تصرفاته وأفعاله ، بنحو من أنحاء الاختيار ، يخرجه عن الجبر ولا يلحقه بالتفويض ولازم ذلك ثبوت الواسطة التي عناها الإمام عليه السّلام بقوله « أمر بين بين » ، ذلك لأنهما ليسا كالنقيضين اللذين لا يجتمعان ولا يرتفعان ، ولا كالضدين اللذين لا ثالث لهما ، وإنما هما ضدان يمكن ارتفاعهما وثبوت أمر ثالث محلهما ، كما كشفت عن ذلك الأدلة العقلية والنقلية .
وإرادته سبحانه المتعلقة بالإيمان والطاعة مع فرض أن العبد ربما يتحقق منه الكفر والعصيان في هذا الحال ، لا تستوجب تخلف إرادته عن مراده بالمعنى المستلزم لعجزه وعدم قدرته ، وذلك لأن إرادته التكوينية التي هي عبارة عن العلم بالنظام الكامل لا تنفك عن مراده ، وإلا لزم انقلاب علمه جهلا ، ولكن لا علاقة لها بما نحن فيه ، وإرادته التشريعية ليست إلا العلم بالمصلحة في فعل المكلف ولا يلزم من عدم وجود المراد في حال وجودها التفكيك بينهما وبين المراد .