ونسبة الكلام ( الوحي ) إلى الشجرة أو النار بكونهما حجابا احتجب تعالى به عن عبده قول يستبعد أية إشارة أو فهم خاطئ يوحي بالحلول أو التجسيم أو تحيّزه تعالى في مكان ، فليس المقصود بوجود الحجاب أنه حجاب له تعالى ، أو لمحلّ كلامه أو لمن كلّمه ، ويرى الشريف المرتضى أن ما أريد بالحجاب في الآية ( أنه تعالى ربما يفعل كلاما في جسم محتجب عن المكلم غير معلوم على سبيل التفصيل ، فيسمع المخاطب الكلام ولا يعرف محله على طريق التفصيل ) « 1 » .
ويؤكد الشيخ الطوسي هذا المعنى وأن الكلام فعل في الشجرة ، وهذا وجه كونها حجابا ولذلك قيل : إن الكلام والنداء سمعه موسى - عليه السلام - من ناحية الشجرة ، واستبعد أي احتمال للتجسيم ، فليس المقصود أنه تعالى كان في الشجرة ، لأنه لا يحويه مكان ولا يحلّ في جسم فتعالى اللَّه عن ذلك « 2 » .
ويتفق الزمخشري مع المرتضى ، والطوسي في فهمهما للحجاب الذي يكلم العبد من ورائه ، فالحجاب - الذي كان في حالة تكليم موسى - عليه السلام - هو الشجرة - كان بديلا عن أية واسطة بين اللَّه تعالى وعبده ، فكان وجود الحجاب استبعادا للواسطة في التكليم من خلال جعله تكليما مباشرا يسمع العبد فيه الكلام ويعيه .
وهذا الكلام يخلقه تعالى في بعض الأجرام فيسمعه المكلّم دون أن ينظر إلى المكلّم ، وكان تكليمه تعالى لموسى من ذلك النوع إذ كلّمه ( من غير واسطة كما يكلّم الملك ، وتكليمه أن يخلق الكلام منطوقا به في بعض الأجرام كما خلقه محفوظا في اللّوح ) « 3 » .
وقد استنكر السيد محمد حسين الطباطبائي قول من قال بأن الشجرة كانت محلا للكلام بدلالة أن الكلام عرض يحتاج إلى محلّ يقوم به ، فالشجرة رغم أنها كانت مبدأ للتكليم والنداء إلا أن الكلام كان كلامه تعالى ، وهو [ أي الكلام ] ( لم يكن قائما بها كقيام الكلام بالمتكلم منا ، فلم تكن إلا حجابا احتجب سبحانه به فكلّمه من ورائه بما يليق بساحة قدسه ) « 4 » .
هامش
( 1 ) أمالي المرتضى ( 2 / 205 ) .
( 2 ) التبيان ( 8 / 146 ) .
( 3 ) الكشاف ( 2 / 111 ) ، ( 3 / 475 ) .
( 4 ) الميزان ( 16 / 32 ) .