والخلدي هنا يجعل التفاوت بين تكليمه تعالى لموسى وتكليمه للنبي صلّى اللَّه عليه وسلّم من حيث حقيقة الكلام المسموع ، فموسى سمع صفة موسى من ربه ، أي أنه سمع الكلام من حيث أنه كلامه لأنه سمعه في داخله هو بآلاته هو ، أما محمدا صلّى اللَّه عليه وسلّم فإنه سمع صفة ربه من ربه إذ سمع كلامه تعالى منه مباشرة .
ملك الوحي
للصوفية في واسطة الوحي المتمثلة بالملك الحامل له اختلاف بيّن ، فابن عربي يرى أن للملائكة وظيفة الرسالة في ثلاثة وجوه وهي « 1 » : إنها مرسلة إلى الأنبياء بالوحي ، وإلى الأولياء بالإلهام ، وإلى غيرهم من الأشخاص الإنسانية وسائر الأشياء بتصريف الأمور وتدبيرها .
أما نزول الملك فلكونه روحا مجردة فإنه لا ينزل على صورته في مقام القلب وإنما ينزل بصورة تناسب الصور المتمثلة في مقامه ، وفي هذا الإطار فسّر تمثّل الملك للنبي صلّى اللَّه عليه وسلّم في صورة دحية الكلبي ، ( فهو لو لم يتمثل بصورة يمكن انطباعها في المصدر لما فهم القلب كلامه ولما رأى صورته ) « 2 » .
ولجبريل في مذهب ابن عربي شأن خاص غير شأن جبريل ملك الوحي ، إذ يرى فيه مبدأ الحياة في الكون ، فهو الروح المنبث في الوجود بأسره . . وهو ليس إلا الحق ذاته متجليا في صورة ذلك الروح الكلي ، فما ظهر في أي موجود من الموجودات هو لاهوت هذا الموجود أو جهة الحق فيه « 3 » .
ويبعد مجد الدين البغدادي أية احتمالات لتصرف المتخيلة في تمثّل الملك في الصورة البشرية ، فرؤية النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم وصحابته لجبريل في صورة الأعرابي أو صورة دحية الكلبي ليست من قبيل تصرف المتخيلة ، لأن تصرفات القوة المتخيلة في الأشخاص المختلفة الطباع لا تكون على منهج واحد بل تختلف اختلافا بيّنا ، فيخلص من هذا كله إلى أن تمثّل الملك في الصورة البشرية كمال مرتبة الروحانية وتصرفها في عالم الأجسام « 4 » .
هامش
( 1 ) انظر تفسير القرآن الكريم ( 2 / 314 ) .
( 2 ) المصدر السابق ( ص 2 / 554 ) .
( 3 ) فصوص الحكم ( 2 / 180 ) ( التعليقات ) .
( 4 ) تحفة البررة ( مخطوط برلين ) نقلا عن ختم الأولياء للترمذي ( الملحق ) ( ص 471 ) .