تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المنار في علوم القرآن — صفحة 61

مساهمون:

ص٦١
وأخيرا فقد استدلّ بالدليل الرابع ودخل عالم الحيوان فقال : إننا نشاهد بعض الحيوانات الدنيا تأتي بعجائب بعض الأنظمة والأعمال . وإذا صح هذا في عالم الحيوان فهو يكون أتم من ذلك ما يكون بطريق الوحي ويضرب لك المثل بالحيوان الذي اسمه « أكسيكلوب » « 1 » . وهكذا استرسل كما بدا له - صاحب المناهل - في ذكر الدليل تلو الدليل ، وأراد أن يدل على صحة رأيه ووجاهته بقوله : إنه قد رأى هذه التجارب بعينه وسمعها بأذنه . فهذا الأمر محسوس ملموس . أقول : هذا التدليل بعيد عن نهج هذا الدّين ، فإن محمدا عليه الصلاة والسلام ما أقنع أهل زمنه إلا بما أرشده اللّه إليه ، أما أن يلتمس لكل حادثة غيبية دليلا حسّيا ، أو يدلل على وقوعها أو يقربها إلى الذهن بأدلة ماديّة محسوسة فهذا ما لم يكن ، بل حصل العكس فإن أبا بكر الصديق حين حدّثه كفار قريش بقصة الإسراء والمعراج ، وأرادوا أن يشككوه في هذه القضايا الغيبية لم يفلحوا في ذلك ، وأخذوا منه الجواب الشافعي النابع من الإيمان الصادق ، قال : إن قالها - أي محمد صلّى اللّه عليه وسلم - فقد صدق . إن الاستدلال بالقضايا العلمية على الحقائق الغيبية هو نهج المدرسة العقلية في التفسير ، التي أرسى قواعدها الشيخ محمد عبده ، الذي فسر قوله تعالى :
وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ ( 3 ) تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ ( 4 ) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ
[ الفيل : 3 - 5 ] . قال ليقرب هذه المعاني القرآنية للعقول الأوروبية : إن الطير الأبابيل : هي الذباب ، وفسر ( حجارة من سجيل ) بميكروب الجدري ، كما فسر ( الجن ) بالميكروب الضار ، والملائكة بالميكروب النافع . وهذا تفسير غريب وتأويل بعيد ، وقد ردّ عليه صاحب الظلال بكلام مفيد يحسن الرجوع إليه . وقد أعجبني الردّ على ادعاء إثبات الوحي بالتنويم إذ يقول قائل :
هامش
( 1 ) مناهل العرفان 1 / 61 - 62 هذا القياس أكثر فسادا وأبعد من القياس السابق ، فالسابق بين ملك ونبي والإنسان المنوم والمنوم وأما هنا فقياس مع حيوان الأكسيكلوب .
المنار في علوم القرآن — صفحة 61 | محمد علي الحسن