تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المنار في علوم القرآن — صفحة 50

مساهمون:

ص٥٠
وقد تجد فيه العجب العجاب الذي تطير منه الألباب ، وما علموا أن هذا القصص ليس للتسلية والتاريخ ، إنما هو للعبر والاتعاظ وللتنبيه إلى سنن اللّه في الاجتماع البشري ، وبيان مآل الأقوام حين تحيد عن منهاج اللّه وتسلك سبيل الظلم والضلال . وما علموا أن الذي أضافوه من الغث والسمين ، لا يضر ولا ينفع ، وكأنهم يرون نوعا من الاستدراك على القرآن وإكمالا للنقص في القصة ، وفي هذا وذاك قصور في النظر في محتوى القصص القرآني ، لأن اللّه سبحانه وتعالى حين قص علينا أحسن القصص بالصورة التي وردت في القرآن ، قد استوفى الفائدة المرجوة من القصة على الصورة التي وردت من غير زيادة ولا نقص ، ولو كان شيئا يهمنا ويفيدنا في زيادة أكثر مما هو مذكور لقصّه لنا ، فمثلا حين قصّ علينا قصة أهل الكهف لم يذكر لنا أسماءهم ، ولا وصف حالهم في نومهم ويقظتهم ، ولا اسم الملك الظالم في زمنهم ، ولا اسم كلبهم ، ولامكان كهفهم الذين نزلوا فيه ، وإنه وإن كانت النفوس تتشوق لمثل ذلك إشباعا لغريزة حب الاستطلاع ، إلا أن هدف ومراد القصص لم يسق لتحقيق شيء من ذلك ، ولو كان ذكر ذلك مقصودا لذكره اللّه لنا ، فإن اللّه ينزه عن إهمال ذكر شيء ينفعنا علمه ، بل هو كما قال المفسرون : ( هو شيء لا ينفعنا ذكره ولا يضرنا جهله ، ولو كان ينفعنا أو يضرنا لذكره اللّه لنا ) « 1 » . وإنما كان المفسرون لا يرون كبير بأس في التوسع في ذكر هذه القصص ، لأنها لا تتعلق بعقائد أو أحكام ، ولكنها من قبيل الاعتبار والعظة ، وغرس فضائل الأعمال . قال الإمام أحمد بن حنبل : ( إذا روينا في الحلال والحرام شددنا ، وإذا روينا في الفضائل ونحوها تساهلنا ) « 2 » ، فبالأحرى القصص . وممن توسع في إيراد القصص في التفسير أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعالبي النيسابوري المتوفى سنة سبع وعشرين وأربعمائة صاحب « التفسير الكبير » ، وكذلك عبد اللّه بن عمرو بن العاص الذي أصاب جملة من كتب أهل الكتاب ، وأدمن
هامش
( 1 ) جامع البيان في تأويل آي القرآن للطبري 7 / 135 . ( 2 ) القول المسدد في الذب عن المسند للإمام أحمد لابن حجر العسقلاني ص 11 .