تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المنار في علوم القرآن — صفحة 34

مساهمون:

ص٣٤
دفنهم أو بعده ، وجعل مسحة من يديه تردّ الأعمى بصيرا ، وتبرئ الأكمه والأبرص ويكون سليما ، وأية معجزة أعظم من إحياء الموتى ، وأعلم الناس إدراكا لهذه المعجزة هم أولئك الذين يعرفون الطّبّ وعلومه ، وهم أقدر الناس على التمييز بين إحياء حقيقي أو إحياء مزعوم موهوم ، قادرون على معرفة الفارق بين حياة حقيقية بعد موت محقق ، أو إغفاءة نتيجة سكرات المرض ثم صحوة منه . وقل مثل ذلك في معجزة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، فلقد بعث اللّه تعالى محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم في قوم كان الكلام بضاعتهم ، فرسان البلاغة والفصاحة والبيان ، الشعر والخطابة البليغة زادهم وشرابهم ، قصيدة تجذبهم فتكون وكأنها معبود لهم ، فتعلق في الكعبة في أعزّ مكان وتكون من المعلقات ، كانت أسواقهم تبادلا وتداولا ، يتبادلون بضائعهم ويتداولون أشعارهم . فجاءتهم معجزة من جنس ما عرفوا وألفوا ، فتحداهم بالمعروف عندهم والمألوف لديهم . بعد كلّ هذا قد يدور في خلدنا حيرة وتساؤل ، كيف ولم لم تؤمن الشعوب والأمم برسالات الرسل عليهم السلام ؟ لم بادروهم بالتكذيب والجحود بعد مشاهدة المعجزات البينات ؟ ! أقول إن الإنكار والجحود والكفر قديم قدم الرسالات السماوية ، والكافرون هم الأكثر عددا ، والذين خلقوا لجهنم هم الكثير من الناس :
وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ
[ الأعراف : 179 ] .
وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ
[ يوسف : 103 ] . فهذا نوح عليه السلام ، يمكث في قومه ألف عام إلّا قليلا ، وهو يدعوهم ليلا ونهارا ، سرا وجهارا ، ومع ذلك لم يلق إلّا عنادا وجحودا وإصرارا :
قالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهاراً 5 فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلَّا فِراراً 6 وَإِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْباراً
[ نوح : 5 - 7 ] . وكذلك موسى عليه السلام قد أتى قومه بالمعجزات العظام ، فعصاه يلقيها فتنقلب ثعبانا ، ويضرب بها الصخر فتنفجر منه العيون ، ولقد عاينوا ذلك بأعينهم ،
المنار في علوم القرآن — صفحة 34 | محمد علي الحسن