تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المنار في علوم القرآن — صفحة 32

مساهمون:

ص٣٢

المبحث الرابع إعجاز القرآن

لكلّ رسول معجزة كدليل على نبوّته ورسالته ، وأنه مرسل من قبل ربّه ، إذ دون ذلك لا تقع حجة اللّه على الخلق بالإيمان برسله ، فمهما سمت أخلاق الرسول وعلت همته ، وجادت قريحته ، وتوقد ذهنه ، وإن اقتعد المكانة الأولى في قومه ، فإن كلّ هذا لا يكفي دليلا على أنه مرسل من قبل اللّه ، فلا يمكن للعقل أن يصدّق ويذعن ويعترف بأن هذا رسول إلّا بما يظهره اللّه على يديه من معجزات ، فيخرق له السّنن الكونية ، أسبابا ومسببات ، إذ المعجزة هي الأمر الخارق للعادة ، وهي خارجة عن الأسباب المعروفة ، هادمة للنتائج المبتناة على المقدمات ، فالنار مثلا حارقة عادة ، ولكنها أصبحت بردا وسلاما على سيدنا إبراهيم ، فالذي جعلها حارقة على وفق السّنن والقوانين التي نعرفها هو الذي جعلها تكون بردا وسلاما ، فكانت بذلك معجزة لإبراهيم عليه السلام ودليلا على نبوته . والمقصود من المعجزة : ليس هو إعجاز الناس لذات الإعجاز ، أي لمجرد إيقاعهم في العجز عن الإتيان بمثل المعجزة ، بل المقصود : هو الإذعان والإيمان بصاحبها أنه رسول من قبل خالق هذه السنن وهو اللّه تعالى . لذا فإن اللّه تعالى قد بعث كلّ رسول إلى قومه ، وأظهر على يديه المعجزات التي من شأنها أن تجعل قومه يدركون إدراكا يرفع عنهم كلّ لبس وغموض ، أن هذا رسول من عند اللّه ، وليس بمدّع عليه ، لذا كانت معجزات كلّ نبيّ ورسول نابعة من بيئته ، ومتناسبة مع أحوال قومه ، فتأتيهم على وفق ما برعوا فيه حتى يكون ذلك أدعى لإيمانهم ، ولإقامة الحجة عليهم ، لأن المعجزة لا تحقق الغاية منها إلّا إذا حصل التحدي بها ، ولا يتحقق التحدي لأمة من الأمم وهي لا تعرف شيئا عن المتحدّى به . وإن المتتبع لآيات القرآن الكريم ، والمتدبر لآياته التي تتحدث عن المعجزات بوجه عامّ لتبرز له كل هذه المعاني التي أشرنا إليها .
المنار في علوم القرآن — صفحة 32 | محمد علي الحسن