تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المنار في علوم القرآن — صفحة 312

مساهمون:

ص٣١٢
فإذا صح الحديث عن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم أخذ به ، وإذا ما ورد التفسير عن الصحابة والتابعين حاول أن يجمع بينها إن أمكن ، وإلّا رجح أحد الأقوال بالدليل ، بل يردها إذا كانت متعارضة ، مثال ذلك ما أورده القرطبي في تفسير قوله تعالى :
لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً
[ النبأ : 23 ] . فقد نقل عن عمر وأبي هريرة أن الحقب ثمانون سنة ، ونقل عن الحسن أنه سبعون ألف سنة ، ونقل أقوالا كثيرة ، ثم عقب في نهايتها بقوله : قلت : هذه أقوال متعارضة ، والتحديد في الآية للخلود يحتاج إلى توقيف يقطع العذر ، وليس ذلك بثابت عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إنما المعنى ما ذكرنا أولا ، أي : لابثين فيها أزمانا ودهورا ، كلما مضى زمن يعقبه زمن ، ودهر يعقبه دهر ، وهكذا أبد الآبدين من غير انقطاع ، هذا منهجه في التفسير بالمأثور . أما منهجه في التفسير بالرأي فقد أجازه بعد أن ناقش أدلة القائلين بالمنع .

موقفه من القراءات المتواترة والشاذة :

نحن نعلم أن كل قراءة متواترة هي من القرآن ، ولكن المفسرين قد وقفوا من القراءات القرآنية مواقف شتى ، فمنهم من طعن في تلك القراءات المتواترة ، كالطبري والزمخشري ، ومنهم من رجّح قراءة على قراءة ، ومنهم من سلك المسلك السليم ، فلم يطعن ولم يرجح بل ساوى بينهما . ولقد سلك القرطبي مسلك المرجحين في القراءات كما في قراءة ملك يوم الدين و
مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ
بعد أن ساق أدلة المرجحين لمالك على ملك أو العكس ، قال القرطبي : وقد احتج بعضهم على أن مالكا أبلغ ، لأن فيه زيادة حرف فلقارئه عشر حسنات زيادة عمن قرأ « ملك » ، قلت : هذا نظر إلى الصيغة لا إلى المعنى ، وقد ثبتت القراءة بملك ، وفيها من المعنى ما ليس بمالك على علمنا واللّه أعلم « 1 » . ونحن نرى أن ترجيح القرطبي ليس سليما ، فقد أفتى العلماء بأن السلامة عند أهل الدين إذا صحت القراءتان أن لا يقال : إحداهما أجود ، لأنهما جميعا عن النبي
هامش
( 1 ) تفسير القرطبي 1 / 140 وما بعدها .
المنار في علوم القرآن — صفحة 312 | محمد علي الحسن