تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من روايع القرآن — صفحة 66

مساهمون:

ص٦٦
ومتفاوتا . فمنها ما يشتمل عليه القرآن بمعناه الحقيقي دون أي تأويل أو مبالغة كعلوم الفقه والأصول والتفسير والبلاغة والقواعد واللغة . ومنها ما يشتمل القرآن على أصوله ومفاتيحه ، بمعنى أنه ينبّه القارئ إليه ويرشده إلى كثير من كلياته وأصوله ، ككثير من العلوم الكونية والفلكية ، وعلم الطب والأبدان . الوجه الثاني : أن القرآن هو الذي نبّه العرب والمسلمين إلى ضرورة الإقبال على هذه العلوم والأبحاث ، بل هو المنطلق الأول لشيء اسمه « التدوين » في التاريخ العربي . فالقرآن ، كما قد رأيت فيما مضى ، هو الذي أشعر الناس بضرورة وضع قواعد في النحو والإعراب ، وهو الذي أشعرهم بالحاجة إلى وضع موازين وضوابط للبلاغة العربية ووجوهها ، وهو الذي دعاهم إلى وضع الموسوعات اللغوية المختلفة ، وهو الذي اضطرهم إلى تدوين شيء اسمه ( علم الكلام ) بما يشتمل عليه هذا العلم من قواعد البحث والمنطق لتعزيز الأدلة النقلية بالبراهين العقلية ثم لولا القرآن وما أدى إليه تدوينه والإقبال عليه ، لما أقبلوا بعد ذلك إلى شيء من العلوم الكونية والتشريح والطب . وآية ذلك أن الذين نبغوا من العرب في هذه العلوم ، إنما نفذوا إليها من دراساتهم القرآنية قبل ذلك ، فأنت لا تكاد تقع على ترجمة واحد منهم إلا وتجده مفسّرا فقيها ذا باع طويل في القرآن وعلومه ، كابن النفيس مثلا الطبيب العظيم وصاحب اكتشاف الدورة الدموية ، فقد كان من قبل فقيها عظيما ألّف في الفقه والسيرة النبوية ، وترجم له السبكي في طبقات فقهاء الشافعية « 1 » . والخلاصة إن بنية الحضارة العربية بما اشتملت عليه من علوم وفنون وفكر وابتكار ، إنما قامت بتأثير القرآن وعلى ضوئه ، ولا ينافي ذلك ما نعلمه جميعا من كيفية تسلسل الأحداث وارتباط الأمور ببضعها . إنما المهم أن تعلم أنه لولا القرآن لما كانت هذه المكتبة العربية التي نرفع الرأس بها اليوم عاليا . وذلك معنى قولنا : القرآن يحتوي على علوم كثيرة جدا وهو معنى قول الزركشي السابق : كل علم من العلوم منتزع من القرآن .
هامش
( 1 ) انظر طبقات السبكي : 5 - 129 .