وملاذها ليوشك أن ينتهي ويزول ؛ وقسما بخالق العقل الذي تميز به الإنسان ، إن من وراء ذلك لحياة أخرى ستتفتح لها العين ويمتلئ بها الشعور ويفيض بها الإحساس ، وما كان القرآن ليكذب على الناس في تأكيد هذه الحقيقة بشتى الأساليب المؤكدة . أفترى أن شيئا من الأغراض أو الأهواء أو المقاصد المستكنّة في نفسك اليوم تغنيك إذ ذاك أو تفيدك فائدة ما ؟ ! تخيل نفسك ، وقد ولّى عنها الشباب ، وولّت في أعقابها الكهولة ، وجاءتك الحقيقة التي لا مردّ لها ولا سلطان في الأرض يستذلّها : حقيقة الموت وسكرته ، وسائل نفسك التي بين جنبيك : ما ذا عسى أن تجني إذ ذاك من كل هذا الذي تكبل اليوم عقلك به ، أيّا كان مظهره وحقيقته ومرماه ؟ .
إن من الخير لك أن تحتاط . . . وإن من أسمى أغراضك ومصالحك التي يجب أن تأخذ نفسك بها أن تتأهب لذلك اليوم ، وإن من أهم ما يجب عليك ، أن تقف على هوية نفسك وحقيقة ذاتك القائمة في خضم الكون المائج ، فكم من إنسان يمشي مكبّا على وجهه في الحياة ، وهو يحسب أنه قد أبصر الحقيقة حيث ضلّ عنها الآخرون وهو إنما ضلّ عن نفسه فلم يقف على شيء من هويتها وحقيقتها ، وسوف لا يستفيق إلى ذاته إلا بعد أن يتعثر ويكبو ، وحينئذ ينظر بعين جديدة أخرى ويطّلع على حقيقة كانت غائبة عنه ، ويتذكر الماضي الأليم ، وأنّى له الذكرى ؟
ثم فيم الابتعاد يا أخي القارئ عن الحق ؟
أفتحسب أنه يحرمك سعادتك التي تحلم بها ؟ . . إن ذلك هو الوهم العجيب الذي يظل عالقا برءوس بعض الناس . إن اللّه عزّ وجلّ لم يشرع لعباده هذا المنهج الحق إلا إصلاحا لشأنهم وتحقيقا لسعادتهم . ومما لا شك فيه أن الجاحدين والملحدين في الدنيا يشقون حتى بالنعيم ويختنقون حتى بأسباب السعادة ، وانظر تجد مصداق ذلك ماثلا أمامك ومن حولك ، وأن المؤمنين يظلون في نعيم السعادة حتى وإن تألبت عليهم الدنيا ونال منهم الضرّ والبلاء .
واسمع قول ربّ العالمين :
مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ
.