ومعرفة ما يقوم عليه من النظام ودقة الخلق والصنع .
*
أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ ، أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ ، قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ
.
وينتقل الحديث بإضراب ثالث إلى أدلة من نوع آخر ، قائمة في كيانهم ومستقرة في نفوسهم .
إنّ من خصائص الإنسان أنه إذا نزلت به شدة من الشدائد وحز به أمر من بلاء أو مصيبة ، والتفت من حوله فافتقد الوسيلة المنقذة والصديق المساعد وضاق عليه الخناق ، أخذ يرمق السماء بطرفه يسأل اللّه عزّ وجلّ في ضراعة وذل ، ولعلّه كان لا يعرف اللّه في أوقات الصفو والرخاء .
وهذه الطبيعة الكامنة في الإنسان من أعظم الأدلة على أنه مفطور في حقيقته على العبودية للّه عزّ وجلّ والإيمان به ، وأن كل انحرافاته التي تبعده عن هذه الفطرة إنما تأتي بسبب غاشية من الغفلة أو سكرة من الكبرياء الكاذب أو الشهوات المتأججة ، وسرعان ما يرتدّ إلى فطرته الأصيلة إذ يهتز كيانه بسبب بلاء خانق أو كرب مطبق فيتساقط عنه كل ما قد تعلق به من غواشي الغفلة ومسكرات الشهوات والأهواء .
فمن الذي يستجيب لهذا المضطر إذا دعاه متضرعا له آئبا إليه ؟
والسؤال ، فيه تذكير كما ترى بهذه الفطرة الإنسانية ، وفيه بيان أن الإنسان إذا أصابه ضرّ شديد ضلّ عنه كل من يدعوه ويعتمد عليه إلا اللّه جلّ جلاله ، و « أل » في المضطر للجنس لا للاستغراق ، فلا يلزم أن تكون الاستجابة من اللّه عامّة لكل الداعين من المضطرين .
ومن الذي يكشف السوء عنكم بكل أصنافه ومظاهره ؟
ومن الذي يجعلكم خلفاء الأرض ؟ أي تتوارثون سكناها والتصرّف فيها جيلا بعد جيل وقرنا بعد قرن ؛ وكم في هذه المظاهر من دلائل العظمة الإلهية في تنظيم حياة هذه الخليقة على وجه الأرض ! . دفعة من بني الإنسان تأتي إثر أخرى ، هذه تأتي من باب الولادة ، وتمضي الأخرى من باب الموت . ولو