تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من روايع القرآن — صفحة 280

مساهمون:

ص٢٨٠
ثم يأمره بعد هذا أن يتوجه إلى المشركين الذين من حوله سائلا : هل الإيمان بالإله الحقّ الذي فعل كل ما قد ذكر بالأمم السابقة أفضل أم الإيمان بما تؤلهونه من المخلوقات أيّا كانت ؟ وهذا الاستفهام جار على قصد التقريع للمشركين وتسفيه آرائهم السقيمة ، وإلا فمن الواضح أنه لا يوجد أيّ تلاق في جنس الخيرية بين الأوثان التي يؤمنون بها والإله الواحد جلّ جلاله ، حتى يتصور معنى التفاضل والسؤال عن الأفضل منهما ، فهو كما تقول لمن سلك مسالك الغواية والشقاء : ويحك هل الشقاء خير أم السعادة ؟ ! ولما كانت هذه الخيرية ، رغم وضوحها ، خفية عن أذهان الكافرين ، أو كالخفية بسبب تكبرهم وعنادهم في الباطل الذي لا يريدون التحوّل عنه ، عقّب اللّه هذا الاستفهام بآيات تكشف عن مظاهر ألوهية اللّه عزّ وجلّ وتفرّده في الخلق والإبداع والتحكّم في مقاليد الكون ، ليتّضح للمشركين أيّهما خير : اللّه عزّ وجلّ أم ما يؤلهونه من المخلوقات أيّا كانت ؛ - أمّن خلق السماوات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها ، أإله مع اللّه ، بل هم قوم يعدلون . هذه أول آية من هذه الآيات التي سيقت مساق الكشف عن بعض مظاهر ألوهية اللّه جلّ جلاله ، تأتي بأسلوب الاستفهام ليكون فيها معنى الاحتجاج والمناقشة والدفع إلى التأمل وإعمال الفكر . وأم التي في أولها ، أم المنقطعة ، بمعنى بل ، وهي للإضراب الانتقالي عن الكلام السابق إلى سؤال آخر :
أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ
. . . الآية . والسماوات هنا كل هذه الأجرام العلوية بما فيها من كواكب وغيرها ، والسماء في قوله :
وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً
هو جهة العلو ، إذ كل ما علاك فأظلّك فهو في اللغة سماء . وكان من مقتضى نسق الآية أن يقول : فأنبت به حدائق ، فلما ذا وقع الالتفات عن ضمير الغائب إلى ضمير المتكلم ؟
من روايع القرآن — صفحة 280 | محمد سعيد رمضان البوطي