تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من روايع القرآن — صفحة 285

مساهمون:

ص٢٨٥
والرياح تطلق على ما يأتي بالخير من المطر وغيره ، فإذا قلت : ريح فهي ما يحمل في طواياه الشر على اختلاف درجاته وأشكاله ولقد كان من شأن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كلما رأى هبوب الهواء أن يقول : اللهمّ اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا . ويعيد البيان الإلهي نفس السؤال السابق : أإله مع اللّه ؟ ويلتفت عن الخطاب لهم مرة أخرى ، ليقرر تنزيه الذات الإلهية عن لغو الجاحدين وضلالهم قائلا : تعالى اللّه عمّا يشركون : *
أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
. نوع آخر من الاستدلال والتنبيه ، تنطوي فيه قصة هذه الخليقة في بدئها ومستقرها ، وفيه - مع اختتام ألوان الحجاج والنقاش - إلماح بالإنذار والتهديد وتأكيد ليوم البعث والحساب . والسؤال هنا عن ذاك الذي بدأ الخلق من العدم ، والذي يعيده مرة أخرى إلى الوجود . فأما الشطر الأول من السؤال فواضح ، والشأن فيه أن يكون معلوما لكل عاقل أنه اللّه عزّ وجلّ ، أما الشطر الثاني ، فيردّ عليه - في الظاهر - أن الجاحدين لا يؤمنون بالإعادة فكيف يتجه السؤال إليهم عن ذلك ؟ غير أن التعبير القرآني يريد أن يوضح للأذهان المتأملة أن الإيمان بالخلق الأول يستلزم الإيمان بالإعادة ، ذلك لأن الإعادة أهون من البدء فيما يقرره العقل ، ولأن قصة هذه الحياة الدنيا تظل ناقصة ، وتظل - بأحداثها ووقائعها - فصلا واحدا من قصة طويلة . إذ في هذه الحياة طغاة لم يجدوا القصاص العادل في حقهم ، وفيها مستضعفون مظلومون لم يصلوا إلى ما ينصفهم من ظالميهم . ولا ريب أن الذي أبدع هذه الخليقة وتركها تتصرف كما تشاء في حرية وإرادة ، سوف يعيدها إلى حياة أخرى يسود فيها الحق ويستقر فيها العدل . فمن أجل ذلك أظهرت الآية الرابطة المتمكنة بين الخلق الأول والإعادة الثانية .
من روايع القرآن — صفحة 285 | محمد سعيد رمضان البوطي