تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من روايع القرآن — صفحة 218

مساهمون:

ص٢١٨
ب - التشريع : إذا أمعنت النظر ، وجدت قانون كل أمة أو دولة أو جماعة من الناس ، إنما يعكس طبيعتها وأعرافها ويتجاوب مع ظروفها فشريعة كل أمة إذا تعبير عن حاجتها ومتطلباتها فقط دون أيّ نظر إلى ما وراء حدودها . غير أن التشريع القرآني لا تجد فيه أيّ منزع إلى عرق أو طائفة أو جماعة . . . وإنما هو ينبثق عن أسس ومبادئ إنسانية مطلقة ، بحيث تأتي عامّة فروعه متطابقة معها في دقة واطّراد . ولنضرب أمثلة لإيضاح هذه الحقيقة : سورة النساء ، من السور التي تفيض بالأحكام التشريعية المتعلقة بتنظيم الأسرة وحقوق المرأة ، ونظام الحكم ، وتقويم العدالة وضبط حقيقتها . فانظر كيف بدأت هذه السورة بوضع الركيزة الأساسية لتلك الأحكام كلها ، وكيف لفتت أنظار الذين سينصتون إلى هذه الأحكام التالية ، إلى أن المنطلق إلى تقريرها ووجوب الأخذ بها إنما هو النظر إلى مصلحة الأسرة الإنسانية المطلقة دون أي التفات إلى الظروف المتنوعة والمختلفة للبيئات والجماعات . وهذه هي الركيزة الأساسية :
يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها ، وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَنِساءً ، وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً
« 1 » . فالمنطلق لتقرير كل الأحكام والتشريعات إنما هو الرحم الإنسانية العامة . ففي سبيلها ستتلى الأحكام التالية ، وعلى ضوئها ينبغي أن تفهم حقيقة المقررات التشريعية التي تفيض بها السورة . وتمضي في قراءة السورة ، فتجد سلطان هذا المنطلق الأول ممتدا إلى سلسلة الأحكام والتنظيمات التالية كلها : حقوق اليتامى ، حقوق النساء ، فرائض الميراث ، أحكام النكاح ومقوّمات الأسرة ، نظام الحكم وسلطان
هامش
( 1 ) النساء : 1 .