تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من روايع القرآن — صفحة 114

مساهمون:

ص١١٤
التشريع والقصص والمواعظ والحجاج والوعد والوعيد ، وتلك حقيقة شاقّة بل لقد ظلّت مستحيلة على الزمن لدى جميع من عرفنا وسمعنا بهم من فحول علماء العربية والبيان . وبيان ذلك ، أن المعنى الذي يراد عرضه ، كلما كان أكثر عموما وأغنى أمثلة وخصائص ، كان التعبير عنه أيسر وكانت الألفاظ إليه أسرع ، وكلما ضاق المعنى وتحدد ودقّ وتعمق ، كان التعبير عنه أشق وكانت الألفاظ من حوله أقل . ولذا كان أكثر الميادين الفكرية التي يتسابق فيها أرباب الفصاحة والبيان هي ميادين الفخر والحماسة والموعظة والمدح والهجاء ، وكان أقل هذه الميادين اهتماما منهم وحركة بهم ميادين الفلسفة والتشريع ومختلف العلوم ، وذلك هو السر في أنك قلّما تجد الشعر يقتحم شيئا من هذه الميادين الخالية الأخرى . ومهما رأيت بليغا كامل البلاغة والبيان ، فإنه لا يمكن أن يتصرف بين مختلف الموضوعات والمعاني على مستوى واحد من البيان الرفيع الذي يملكه ، بل يختلف كلامه حسب اختلاف الموضوعات التي يطرقها ، فربما جاء بالغاية من البراعة في معنى من المعاني ، فإذا انصرف إلى غيره انخذل عن تلك الغاية ووقف دونها . غير أنك لا تجد هذا التفاوت في كتاب اللّه تعالى ، فأنت تقرأ آيات منه في الوصف ، ثم تنتقل إلى آيات أخرى في القصة ، وتقرأ بعد ذلك مقطعا في التشريع وأحكام الحلال والحرام ، فلا تجد الصياغة خلال ذلك إلا في أوج رفيع عجيب من الإشراق والبيان . وتنظر فتجد المعاني كلها لاحقة بها شامخة إليها . ودونك فاقرأ ما شئت من هذا الكتاب المبين متنقلا بين مختلف معانيه وموضوعاته لتتأكد من صدق ما أقول ولتلمس برهانه عن تجربة ونظر .

الخاصّة الثالثة ( صلاحية صياغته لمخاطبة الناس عامة على اختلاف ثقافاتهم وعصورهم ) :

وثمة خاصّة ثالثة ، لا تستطيع أن تجدها في غير هذا الكتاب العزيز . وهي أن معانيه مصوغة بحيث يصلح أن يخاطب بها الناس كلهم على