منه فتشعر بإيقاع موزون من تتابع آياته ، بل يسري في صياغته وتآلف كلماته ، وتجد في تركيب حروفه تناسقا عجيبا ، بين الرخو منها والشديد ، والمجهور والمهموس ، والممدود والمقطوع ، بحيث يؤلف اجتماعها إلى بعضها لحنا مطربا يفرض نفسه على صوت القارئ العربي كيفما قرأ ، إذا كانت قراءته صحيحة .
ومهما طفت بنظرك في جوانب كتاب اللّه تعالى ومختلف سوره ، وجدته مطبوعا على هذا النسق العجيب .
غير أنه إذا كان لا بدّ من مثال نعرضه لاستجلاء هذه الحقيقة فيه ، فلنعرض لك تلك الآيات التي تلاها النبي صلّى اللّه عليه وسلّم على عتبة بن أبي ربيعة ، يوم جاءه رسولا من قبل قريش يعرضون عليه الملك والمال والزعامة على أن يتخلى عن دعوتهم إلى توحيد اللّه :
بسم اللّه الرحمن الرحيم .
حم تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ . كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ . بَشِيراً وَنَذِيراً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ . وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ . قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ
.
فحسبك أن تتأمل في صياغة هذه الآيات وكلماتها لتجد فيها مصداق ما ذكرنا ، على أنك واجد ذلك في جميع آي القرآن وسوره .
فمن أجل ذلك تحيّر العرب في أمره ، إذ عرضوه على موازين الشعر فوجدوه غير خاضع لأحكامه ، وقارنوه بفنون النثر فوجدوه غير لاحق بالمعهود من طرائقه ، فكان أن انتهى الجاحدون منه إلى أنه السحر واستيقن المنصفون منهم بأنه تنزيل من ربّ العالمين .
ولك أن تسأل هنا : فكيف تقول إن القرآن يختلف عن جميع طرائق النثر المعهودة ؛ مع أن فيه كثيرا من السجع ، وهو منهج من مناهج النثر العربي ؟
والجواب أن السجع ليس مجرد تقفية للجملة أو المقطع من الكلام بقافية