إن القارئ المؤمن مطالب أن ينظر إلى القرآن بهذا المنظار ، وأن يتعامل معه على هذا الأساس ، وأن يفتح كنوزه بهذا المفتاح . . ولو أن كل قارئ فعل هذا فسوف يخرج من تدبر القرآن بزاد عظيم ، من الإيمان والالتزام والتنفيذ والعمل ، وسيكون رجلا قرآنيا عمليا نافعا مؤثرا . .
إن مما يؤسف له في صلة المسلمين المعاصرين بإسلامهم وقرآنهم وتعاملهم مع ربهم ، أنهم يفعلون عكس هذه القاعدة . . إن الواحد منهم لا يشعر أنه هو المقصود أساسا بالأمر أو التوجيه ، وأنه المطالب به ، وأن شخصه بذاته معنى به بخاصة . . ولكنه يشعر أن الخطاب لفلان أو علان . .
إنه يلقي المسؤولية عنه ، ويلغى خصوصيته ليوجهها إلى غيره ، إنه « يوزّع » الواجبات على غيره ، بعد أن « يزحلقها » عنه ، ولهذا لم يتفاعل معها ولم يسع لكي يلتزم هو بها . .
إذا قرأ آيات القصص قصرها على السابقين ، وإذا قرأ آيات الخطاب والتكليف للرسول عليه الصلاة والسلام خصه هو بها ، وإذا قرأ حادثة زمن الصحابة فهي لهم فقط . . وإذا سمع
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
فهي تخاطب الصحابة أو مؤمنين في العوالم الأخرى ، آيات الزكاة والصدقة للأغنياء فقط ، وآيات الحكم والالتزام والطاعة للحكام فقط ، وآيات الجهاد والحرب للعسكريين فقط ، وآيات الولاء والمحبة والنصرة للسياسيين فقط ، وآيات الدعوة والبلاغ للشيوخ والعلماء فقط . . وهكذا . . وهكذا وإذا بهذا المسلم لم توجه له آية ، ولم يطالب بحكم ، ولم يكلف بواجب . . فإذا ما وصلت الآيات إلى الآخرين فإنهم سيفعلون مثل هذا ، ويحرصون على أن يوجهوها لغيرهم ويزحلقوها عنهم . . فنرى القرآن موجها لأكوان أخرى ، ولأقوام يوجدون في عالم الأحلام والخيالات والأوهام . .
على القارئ البصير للقرآن أن يوقن أنه هو المقصود بالآية ، وأنها