فما من حقيقة من حقائق عالم البرزخ والحشر الأكبر . . . في الجنّة والنار إلّا وقد أوجد لها مثلًا في هذه النشأة الدنيويّة : وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ ( العنكبوت : 43 ) وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِى هذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُوراً ( الإسراء : 41 ) .
فكلّ الحقائق المرتبطة بعالم الملك والملكوت ، وعالم الظاهر والباطن ، وعالم الغيب وعالم الشهادة . . . بنشآته المتعدّدة في قوس النزول والصعود له مثل في هذا العالم .
ومن أوضح الأمثلة على ذلك : «
من عرف نفسه فقد عرف ربّه
» . فهو خير شاهد ومثال على إمكانيّة أن يرتقى الإنسان من معرفة النفس إلى معرفة الله سبحانه وتعالى . وفى ضوء هذه القاعدة نستطيع أن ندخل في بيان النِّعم الأخرويّة :
النِّعم الدنيويّة الموجودة في هذه النشأة على قسمين :
أوّلًا : النِّعم المادّية المرتبطة بالجسم ، من قبيل المبصرات وما يراه
الإنسان من مناظر جميلة وخلّابة ، والمأكولات التي يأكلها ويتذوّقها ، والمشمومات والروائح الطيّبة ، والمسموعات والأصوات الجميلة ، والملموسات ونحو ذلك . . .
فهذه مجموعة من الأمور التي يلتذّ بها الإنسان ، وهى لذائذ مرتبطة بالبُعد المادّى في وجود الإنسان .
ثانياً : النِّعم المعنويّة ، من قبيل اللذائذ المرتبطة بالعلم . فالإنسان إذا تعلّم شيئاً يدخله من السرور ما لا يدخل كثيرين من الناس ، وهكذا عند فوزه بشئ معيّن ، أو تحقيقه لانتصار ما ، وهكذا تحصيل رضا الله تعالى ، ورسوله الأكرم صلى الله عليه وآله ، والأئمّة المعصومين عليهم السلام . فهذه كلّها نِعَم لا دخل ولا ارتباط مباشر لها بجسم الإنسان على الإطلاق .
المعاد روية قرآنية — صفحة 320
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٣٢٠