فإذن قولنا : ( إنّ الإنسان يفقد بالموت تلك الآثار ) إنّما هو لعدم وجود
الروح ، فاليد مع ملامستها للنار بعد الموت لم تعد تتألّم لأنّها فقدت الروح ، وهذا يعنى أنّها فقدت آثار الحياة ، وهكذا بالنسبة لحالات الفرح والسعادة .
وبكلام مختصر : إنّ الذي يفقد آثار الحياة بالموت هو الجسد وليس الروح ، لأنّ الروح تنتقل من هذه النشأة إلى نشأة أخرى .
إذا اتّضح ذلك نقول : ذهب المتكلِّمون إلى الاعتقاد بأنّ الإنسان ببُعديه عندما يموت يفقد آثار الحياة ، ويكون حينئذ لا شئ ، ويصبح معدوماً ؛ ولذا فإنّهم يعتقدون أنّ المعاد هو إعادة المعدوم ، وأنّه في يوم الحشر الأكبر يعاد الشئ بعد أن كان معدوماً .
ووفقاً لهذا المعتقد والرأي فإنّ الروح تُعدَم فضلًا عن الجسد .
وفى قِبال هذا الاتّجاه قال الفلاسفة : إنّ الإنسان ببُعده المادّى يفقد آثار الحياة ، أمّا بُعده الروحي فلا يفقد الحياة ، وإنّما تنتقل هذه الروح من نشأة إلى نشأة أخرى . على هذا الأساس فالحشر عندهم ليس هو إعادة للمعدوم ، وإنّما هو إعادة ارتباط الروح بالجسد ، والموت بالنسبة إليهم هو مفارقة الروح لهذا البدن ، ثمّ في المعاد تُعاد اللُّحمة والارتباط بين الروح التي كانت موجودة في عالم البرزخ وبين الجسد الذي كان قد تفسّخ .
وقد وقع البحث بين العلماء واختلفت الآراء في مسألة موت الروح ، وهذا ما أشار إليه الآلوسي في تفسيره فقال : « اختلف الناس في الروح هل تموت أم لا ؟ فذهبت طائفة إلى أنّها تموت لأنّها نفس وكلّ نفس ذائقة الموت ، وقد دلّ الكتاب على أنّه لا يبقى إلّا الله تعالى وحده وهو يستدعى هلاك الأرواح كغيرها من المخلوقات ، وإذا كانت الملائكة عليهم السلام يموتون فالأرواح البشريّة أولى ، وأيضاً أخبر سبحانه عن أهل النار أنّهم
المعاد روية قرآنية — صفحة 83
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٨٣