كلامنا هو عن الإنسان وبعثه وحشره يوم المعاد .
أمّا المحذور من كون فعله سبحانه وتعالى عبثيّاً ، فهذا ما تعرض له الآية
في قوله تعالى : ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِى الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ * وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِى الْقُبُورِ ( الحجّ : 67 ) .
فالله تعالى يصف نفسه بالحقّ المطلق ، وأنّه لا حقّ سواه ، ثمّ يرتّب على ذلك إحياء الموتى والنشأة الآخرة ، وقيام الساعة ، فضلًا عن بعث مَن في القبور ، وذلك لأنّ الحقّ المطلق عبارة عن الوجود الذي لا يتطرّق البطلان إلى ذاته أوّلًا ، وصفاته ثانياً ، وأفعاله ثالثاً ، ولو كان فعله بلا غاية ولا هدف لما كان حقّاً مطلقاً .
فيُستدلّ بكونه حقّاً محضاً على لزوم الغاية التي تتمثّل في الحياة الأخرويّة للإنسان ، ومن هذا الباب وصف نفسه سبحانه بالحقّ .
هذا من ناحية ، ومن ناحية أخرى فإنّ آيات الكتاب الكريم تشير إلى تدبير الله تعالى لكلّ شئ ، فهو تعالى مدبِّر السماوات والأرض ، وربّ العرش العظيم ، فهو ربّ العالمين . . . والربّ هو الذي يربّى الشئ لإيصاله إلى غايته ، وإلى كماله الذي خُلق من أجله .
والتربية هي أن يربّى الإنسان الموجود بنحو يوصله إلى كماله وغايته ، وبتعبير آخر كماله اللائق به ، وليس المراد إيصاله إلى أىّ كمال كان ، ولو كان هو كمال الحيوانات والبهائم ، كأن تأكل جيداً وتشرب وتنام ونحوها ، فإنّها وإن كانت كمالات إلا أنّها ليست كمالًا للإنسان ، لذا قلنا سابقاً إنّ المراد من الكمال هو ما يكون منسجماً مع طبيعة الشئ لا مطلق الكمال .
وقد أشار القرآن الكريم إلى أنّ كمال الإنسان إنّما يتحقّق بالعبادة ، وبالوصول إلى اليقين وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ( الذاريات : 56 ) .
المعاد روية قرآنية — صفحة 48
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٤٨