سبحانه وتعالى .
فإذا كانوا بهذا المقدار فهل سيكون حسابهم بشكل فردىّ ، أي يحاسبون فرداً فرداً ، ولازم ذلك أن تستمرّ عمليّة الحساب آلاف بل ملايين السنين .
ودفعاً لهذا التوهّم جاءت هذه الآيات لتبيِّن أنّ حساب الله تعالى فوق الزمان والمكان ، والحساب في مسيرة الزمن هو للبشر فقط ، أمّا الله تعالى فهو لا يحاسب وفق زمن معيّن ، بل يحاسبهم جميعاً في آن واحد .
وتوضيح ذلك أنّ الحساب عند البشر وفى مقاييسهم يتمّ من خلال
محاسبة الأوّل ثمّ الثاني ثمّ الثالث وهكذا . . . وهذا ما يحتاج إلى وقت طويل لا يمكن معرفة أمده ، أمّا بالنسبة إلى الله تعالى فليس الأمر كذلك ، ولا يشغله شأنٌ عن شأن .
سُئل الإمام أمير المؤمنين عليه السلام : كيف يحاسب الله الخلق على كثرتهم ؟ فقال : «
كما يرزقهم على كثرتهم
» ، قيل : كيف يحاسبهم ولا يرونه ؟ قال : «
كما يرزقهم ولا يرونه
» « 1 » .
قال الطبرسي في تفسير قوله تعالى : أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ ( البقرة : 202 ) : « . . . معناه : سريع المجازاة للعباد على أعمالهم وأنّ وقت الجزاء قريب ، يجرى مجرى قوله سبحانه : وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ ( النحل : 77 ) ، وعبّر عن الجزاء بالحساب لأنّ الجزاء كفاء العمل وبمقداره فهو حساب له . . .
وثانيها : أن يكون المراد به أنّه يحاسب أهل الموقف في أوقات يسيرة ، لا يشغله حساب أحد عن حساب غيره ، كما لا يشغله شأنٌ عن شأن ، وورد في الخبر أنّ الله سبحانه يحاسب الخلائق كلّهم في مقدار لمح البصر ، وروى
هامش
( 1 ) نهج البلاغة ، الحكمة : 300 .