وفى الواقع يمكن أن نختصر الفارق والمائز بين هذين القسمين من المعارف بجملة واحدة ، وهى : إنّ الأمور العقديّة تعدُّ أصلًا للأمور العمليّة ؛ بمعنى أنّ الأمور العمليّة إنّما تكون ذات قيمة في الحساب الإلهى إذا كانت مسبوقة بهذه الأمور العقديّة ، فإذا كان الإيمان صحيحاً فإنّ العمل يكون له حينئذ قيمة ، أمّا إذا كان الإيمان باطلًا وفاسداً فإنّ العمل لا يكون له أيّة قيمة في الحساب والميزان الإلهى ، بل إنّ الإيمان هو أفضل الأعمال ولا يمكن قبول العمل إلّا به .
عن أبي عمرو الزبيري ، عن أبي عبد الله عليه السلام قال : « قلت له : أيّها العالم أخبرني أىّ الأعمال أفضل عند الله تعالى ؟ قال :
ما لا يقبل الله تعالى شيئاً إلّا به
، قلت : وما هو ؟ قال :
الإيمان بالله الذي لا إله إلّا هو ، أعلى درجة وأشرفها منزلة وأسناها حظّاً » .
وقال : « قلت : ألا تخبرني عن الإيمان ، أقول هو وعمل أم قول بلا عمل ؟ قال :
الإيمان عمل كلّه والقول بعض ذلك العمل
، إلى أن قال :
الإيمان حالات ودرجات وطبقات ومنازل فمنه التامّ المنتهى تمامه ، ومنه الناقص البيِّن نقصانه ، ومنه الراجح الزائد رجحانه
، قلت : إنّ الإيمان ليتمّ وينقص ويزيد ؟ قال : نعم ، قلت : كيف ذاك ؟ قال :
لأنّ الله فرض الإيمان على جوارح ابن آدم وقسّمه عليها وفرّقه فيها ، فليس في جوارحه جارحة إلّا وقد وكلت من الإيمان بغير ما وكلت به أختها
» « 1 » .
والعمل بما له من الظاهر ليس هو المقياس ، بل المقياس هو مدار صحّة
هامش
( 1 ) الأصول من الكافي ، محمّد بن يعقوب الكليني ، تحقيق : على أكبر الغفاري ، دار الكتب الإسلاميّة ، قم ، 1986 م : الحديث 1 ، ج 2 ص 33 ؛ بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمّة الأطهار ، دار التعارف ، بيروت ، ط 1 ، 2001 م : الحديث 6 ، ج 6 ص 23 .