تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المستشرقون والدراسات القرآنيه — صفحة 48

مساهمون:

ص٤٨
الاعتدال والإنصاف غالبا ، فكيف يتم على يديه هذا النص المخجل : « وقيل إن محمدا كان مصابا بالصرع ولم أجد في تواريخ العرب ما يبيح هذا القطع في هذا الرأي ، وكل ما في الأمر هو ما رواه معاصر ومحمد وعائشة منهم ، من أنه كان إذا نزل الوحي عليه اعتراه احتقان وجهي فغطيط فغشيان ، وإذا عدوت هوس محمد ، ككل مفتون ، وجدته حصيفا سليم الفكر . ويجب عد محمد من فصيلة المتهوسين من الناحية العلمية كما هو واضح وذلك كأكثر مؤسسي الديانات ، ولا كبير أهمية لذلك فأولو الهوس وحدهم لا ذو المزاج البارد من المفكرين ، هم الذين ينشئون الديانات ويعودون الناس ، ومن يبحث في عمل المفتونين في العالم يعترف بأنه عظيم . . ولو كان العقل ، لا الهوس هو الذي يسود العالم لكان للتأريخ مجرى آخر . . . ولا يقف أي قول بخداع محمد ثانية أمام سلطان النقد كما يلوح لي ، ومحمد كان يجد في هوسه ما يحفزه إلى اقتحام كل عائق ، ويجب على من يود أن يفرض إيمانه على الآخرين أن يؤمن بنفسه قبل كل شيء . . » « 1 » . وهذا دس رخيص ، وتناقض فاضح ، مزج فيهما السم بالعسل ؛ فبينا ينفي الصرع عن النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلّم وإذا به يثبت الهوس له ولينفي الوحي والرسالة جملة وتفصيلا . وفي ضوء ما تقدم يمكن أن نرصد في ظاهرة الوحي عملية إرسال واستقبال بوقت واحد ، إرسال بوساطة الملك المؤتمن ، واستقبال من قبل النبي المصطفى صلى اللَّه عليه وآله وسلّم ، يتم ذلك في حالة إدراك متماسكة ، يسيطر فيها الوعي والشعور والإحساس ، كما لو كان أمرا عاديا في يقظة حقيقية ، قبل الوحي وأثناء الوحي ، وبعد الوحي ، مهما صاحب عملية الوحي من شدة وطأة ومفاجأة ، فالوحي حقيقة خارجية مستقلة عن كيان النبي صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم النفسي ولكنها لا تغير ذلك الواقع النفسي ، بل تزيده جلاء وفطنة وذاكرة ويمثل فيها النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلّم دور المتلقي الواعي من جهة ، ودور المبلغ الأمين من جهة أخرى ، لا يقدم ولا يؤخر ؛ ولا يغير ولا يقترح ؛ ولا يفتر ولا يتكاسل .
هامش
( 1 ) غوستاف لوبون ، حضارة العرب : 133 وما بعدها .