هؤلاء لم يمسكوا عن إطلاق شتّى التهم والأراجيف ، وافترضوا في الوحي الفروض المتعددة ، ومنها فرض التعليم والتلقّي من أشخاص معيّنين ، كالرومي في مكة . « 1 » ولكن مع ذلك كلّه لم يكونوا ليفرضوا أن يكون قد تعلّم من نصارى الشام أو غيرهم .
الثالثة :
أنّه لم يعرف عن الرسول محمّد صلّى اللّه عليه وآله ، أنه كان ينتظر أن يفاجأ بالوحي ، أو يأمل أن يكون هو الرسول المنتظر ، لينمو ويتطوّر هذا الأمل في نفسه ، فيصبح واقعا نفسيّا ، بالرغم من تدوين كتب السيرة النبويّة لأدقّ الأحداث والتفصيلات عن حياة الرسول الشخصية .
ولعلّ من القرائن التاريخية التي تشهد بكذب هذا الافتراض هو ما ذكرته كتب السيرة من اضطراب النبيّ وخوفه . حين فاجأه الوحي في غار حراء « وهذا الاضطراب أمر مشكوك فيه تماما » .
الرابعة :
أنّ هذا النظرة تفرض أن يكون إعلان النبوّة نتيجة مرحلة معينة من التكامل العقلي والنفسي ، ونتيجة مراحل طويلة من المعاناة والتفكير والتأمّل والحساب . . . وهذا يستلزم بطبيعة الحال أن ينطلق الرسول في اللحظة الأولى من دعوته إلى طرح مفاهيمه وأفكاره ومناهجه عن الكون والحياة والمجتمع بجوانبه المتعددة ؛ لأنّ المفروض أنّ الصورة كانت متكاملة عنده نتيجة التفكير الطويل . . . مع أنّ التاريخ يؤكّد أنّ أسلوب الدعوة وطريقتها كان يختلف عن ذلك تماما ، وأنّ الانطلاق إلى المجالات الأخرى بشكل تدريجي مع ما كان يتخلّل ذلك من ركود وانقطاع في الوحي .
هامش
( 1 )وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ.
( النحل : 103 )