وسأل أعرابيّ فقال : رحم اللّه امرأ لم يمجّ أذنه كلامي وقدّم لمعاذة من سوء مقامي ، فإنّ البلاد مجدبة والحال مسغبة والحياء زاجر ينهى عن كلامكم والفقر عاذر يدعو إلى إخباركم فرحم اللّه امرأ واسى بمير أو دعا بخير . فقال رجل : ممّن يا أعرابي ؟ فقال : أخ في كتاب اللّه وجار في بلاد اللّه وطالب خير من رزق اللّه .
وسأل آخر فقال : نقص الكيل وعجفت الخيل وقلّ النيل فهل من رحيم أجره للّه فإنّه لا غنى عن اللّه لقوله جلّ وعزّ :
مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً
[ الحديد : 11 ] ، لم يستقرض ربّنا جلّ وعزّ من عدم ولكن ليبلو ويختبر .
وسأل آخر فقال : إني رجل من مدينة الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، مشيت حتى انتعلت الدم ، فرحم اللّه من حملني على نعلين فكأنّما حملني على ناقتين ، فلا قليل من الأجر ولا غنى من اللّه جلّ وعزّ . وقيل لسائل أعرابيّ : أين منزلك ؟ قال : ما لي منزل إنّما أشتمل الليل إذا عسعس وأظهر بالنهار إذا تنفّس .
مساوئ الثقلاء
قال بختيشوع للمأمون : لا تجالس الثقلاء فإنّا نجد في كتب الطبّ أن مجالسة الثقيل حمى الروح .
وقال بعضهم : سخنة العين النظر بها إلى الثقلاء .
قال : ونقش رجل على خاتمه : أبرمت فقمّ . فكان إذا جلس إليه الثقيل ناوله إيّاه .
وقيل : ودخل أبو حنيفة على الأعمش يوما فأطال جلوسه فقال : لعلّي قد ثقّلت عليك ؟
قال : وإني لأستثقلك وأنت في منزلك فكيف وأنت عندي !
قيل : واجتمع أصحاب الحديث عند شريك بن عبد اللّه ، فتبرّم بهم وأضجروه فصاح بهم وفرّقهم فلم يبرحوا . فقال بعضهم : أنا أطردهم عنك . قال : نعم ، وانطرد معهم .
قيل : وأتى رجل ابن المقفع في حاجة فلم يصل إليه وكان مستثقلا له فكتب بيتا في رقعة وأرسل به إليه :
هل لذي حاجة إليك سبيل * وقليل تلبّثي لا كثير
فوقّع إليه :
أنت يا صاحب الكتاب ثقيل * وقليل من الثّقيل كثير