أفي طلب الدّنيا وربّك بالّذي * تسير له راع عليك كفيل
أليس ضعيف القوم يأتيه رزقه * يساق إليه والبلاد محول
ويحرم جمع المال من قد يرومه * يكدّ عليه رحله وحلول
فلو كنت في طود على رأس هضبة * لها نجف فيه الوعول تقيل
مصعّدة لا يستطاع ارتقاؤها * ولا لنزول يستطاع سبيل
إذا لأتاك الرّزق يحدوه سائق * حثيث ويهديه إليك دليل
قال : فنمى الخبر إلى المأمون ، فدعا بالشيخ فاستنشده شعره فأنشده ، فرقّ له وأمر بردّ جميع ما أخذ منه وأعاده إلى مرتبته وزاده من عنايته .
قال : وعاش يزيد بن زبيبة الشيباني دهرا طويلا حتى لحق زمن الحجّاج وسعى مع ابن الأشعث ، فظفر به الحجّاج وورد عليه كتاب عبد الملك بن مروان يأمره بقتله .
فلمّا دعا به قال له : أيّها الأمير اتّق اللّه بسبع عشرة نسوة أو تسع عشرة نسوة ليس لهنّ قيّم غيري !
قال : أحضرهنّ . فلمّا حضرن سألهنّ الحجّاج عن شأنهنّ فما منهنّ امرأة إلّا وهي تقول : اقتلني ودعه . فقامت بنيّة له صغيرة فبكت بكاء حارّا موجعا محرقا وأنشأت تقول :
أحجّاج إمّا أن تجود بنعمة * علينا وإمّا أن تقتّلنا معا
أحجّاج كم تفجع به إن قتلته * ثلاثا وعشرا واثنتين وأربعا
فمن رجل دان يقوم مقامه * علينا فمهلا لا تزدنا تضعضعا
فرحمه الحجّاج وكتب إلى عبد الملك يسأله العفو عنه ، فأجابه إلى ذلك ، وأطلقه .
مساوئ من كره البنات
قيل : وبشّر الأحنف بجارية فبكى . فقيل له : ما يبكيك ؟ قال : لم لا أبكي وهي عورة ، وبكاؤها عبرة ، وهديتها سرقة ، ونصرتها البكاء ، ومهنأها لغيري !
وممّا قيل فيها من الشعر :
لولا البنيّة لم أجزع من العدم * ولم أجب في اللّيالي حندس الظّلم
وزادني رغبة في العيش معرفتي * ذلّ اليتيمة يجفوها ذوو الرّحم
تهوى بقاي وأهوى موتها شفقا * والموت أكرم نزّال على الحرم