وقالت أمّ الجارية :
وما عليّ أن تكون جاريه * تحفظ بيتي وتردّ العاريه
تمشط رأسي وتكون الفاليه * وتحمل الفاضل من خماريه
حتّى إذا ما بلغت ثمانية * وزيّنت بنقبة يمانيه
زوّجتها مروات أو معاوية * أزواج صدق بمهور غاليه
محاسن برّ البنات
عوانة قال : بلغنا أن شيخا من أصحاب معاوية كان يكاتب عليّ بن أبي طالب ، رضوان اللّه عليه ، وقد كان طعن في السنّ ، فبلغ معاوية خبره ، فدعاه فقال : أيّها الشيخ إنّك لتكاتب عليّا ، رضي اللّه عنه ، ولولا سنّك لقتلتك فلا تفعل ولا تعد . فوقع كتاب له بعد ذلك إلى عليّ ، رحمه اللّه ، في يدي معاوية فدعاه وقال : أتعرف هذا الكتاب ؟ قال : نعم ، كتب فأجبته ، فأمر معاوية بقتله . فانتهى الخبر إلى ابنة له صغيرة ، فجاءت حتى قامت بين يدي معاوية وأنشأت تقول :
معاوي لا تقتل أبا كان مشفقا * علينا فنبقى إنّ فقدناه شرّدا
وتوتم أولاد صغار بقتله * وإن تعف عنه كنت بالعفو أسعدا
معاوي هبه اليوم للّه وحده * وللباكيات الصّارخات تلدّدا
معاوي منك العلم والحلم والتقى * وكنت قديما يا ابن حرب مسدّدا
فعجب معاوية وأصحابه منها ودمعت عيناه ووهبه لها .
قيل : وكان المأمون وجد على قائد من قوّاده فاستصفى ضياعه وداره وأنهب دوابّه وماله ، وكان شيخا فانيا ولم يكن له من الولد إلّا بنيّة صغيرة ، فأجمع أن يضرب في الأرض ويطلب من فضل اللّه جلّ وعزّ ويخلّف بنيّته . فبكت الابنة وقبضت على أبيها وقالت : اقنع بما آتاك اللّه واصبر على محن الزمان ونوائب الدّهر والزم الوطن وارحم وحدتي وضعفي وقلّة حيلتي أو اذبحني فلا أبتلى بفراقك . فبكى الشيخ وقال :
تقول ابنتي لمّا أردت وداعها * وقد حضرتني نيّة ورحيل
لعلّ المنايا في رحالك تنبري * لنفسك ختلا أو تغولك غول
فتتركني أدعى اليتيمة بعد ما * تبين وعزّي بعد ذاك ذليل