ولآخر :
وجرح السّيف يأسوه المداوي * وجرح القول طول الدّهر دامي
مساوئ جناية اللسان
أحمد بن إبراهيم الهاشميّ قال : لمّا عفا أبو العبّاس السفّاح عن سليمان بن هشام بن عبد الملك وعن ابنيه قرّبهم وأدناهم وبسطهم حتى كانوا يسمرون عنده بالليل ، وكان سليمان إذا دخل ثنيت له وسادة وكذلك لابنيه وربّما طرحت له نمارق ونصبت لهم كراسي ، فإنّهم عنده ذات ليلة أو ذات يوم إذ دخل إليه أبو غسّان الحاجب فقال : يا أمير المؤمنين بالباب رجل متلثم أناخ راحلته وقال : استأذن لي على أمير المؤمنين . فقلت : ضع عنك ثياب سفرك .
فقال : لا أحطّ رحلي ولا أسفر عمّتي حتى أنظر إلى وجع أمير المؤمنين . فقال أبو العبّاس :
فهل سألته من هو ؟ قال : قد فعلت فذكر أنّه سديف مولاك . فقال : سديف سديف ! ائذن له .
فدخل رجل أحمّ طويل يتثنّى عليه ممطر خزّ ومعه محجن يتوكّأ عليه ، فلمّا نظر إلى أبي العبّاس سفر عن وجهه ثمّ سلّم ودنا وقبّل يده ثمّ انصرف إلى خلفه ، فقام مقام مثله وأنشده :
أصبح الملك ثابت الأساس * بالبهاليل من بني العبّاس
لا تقيلنّ عبد شمس عثارا * واقطعن كلّ رقلة « 1 » وغراس
ولقد ساءني وساء سوائي * قربهم من نمارق وكراسي
أنزلوها بحيث أنزلها اللّ * ه بدار الهوان والإتعاس
واذكروا مصرع الحسين وزيد * وقتيلا بجانب المهراس « 2 »
والقتيل الّذي بحرّان أمسى * ثاويا بين غربة وتناسي
نعم شبل الهراش مولاك لولا * آود من حبائل الإفلاس
فقام سليمان بن هشام فقال : يا أمير المؤمنين إنّ مولاك هذا مثل بين يديك يبعثك على قتلي وقتل ابنيّ ويحدوك على طلب ثأرك منّا ، وقد بلغني أنّك تريد اغتيالي . فقال أبو العباس :
واللّه ما كان عزمي أن أقتلك ولا أن أسيء بك ولا أطالبك بشيء ممّا طالبت به أهل بيتك ، فأمّا إذ وقع في خلدك أني أغتالك فيا جاهل من يحول بيني وبينك وبين قتلك حتى أغتالك ؟ ثمّ أمر بقتله وقتل ابنيه .
هامش
( 1 ) الرقلة النخلة التي فاتت اليد وهي فوق الجبارة .
( 2 ) المهراس : اسم مكان .