لا يكتم السّرّ إلّا كلّ ذي خطر * والسّرّ عند كرام النّاس مكتوم
والسّرّ عندي في بيت له علق * قد ضاع مفتاحه والباب مردوم
قال : ودخل أبو العتاهية على المهديّ وقد ذاع شعره في عتبة فقال : ما أحسنت في حبّك ولا أجملت في إذاعة سرّك . فقال أبو العتاهية :
من كان يزعم أن سيكتم حبّه * أو يستطيع السّتر فهو كذوب
إذا بدا سرّ اللّبيب فإنّه * لم يبد إلّا والفتى مغلوب
الحبّ أغلب للرّجال بقهره * من أن يرى للسرّ فيه نصيب
إني لأحسد ذا هوى مستحفظا * لم تتهمه أعين وقلوب
فاستحسن المهديّ شعره وقال : قد عذرناك في إذاعة سرّك ووصلناك على حسن عذرك على أن كتمان ذلك أحسن من إذاعته .
وقال المهلّب بن أبي صفرة : ما ضاقت صدور الرجال عن شيء كما ضاقت عن السرّ .
وقال زياد : لكلّ مستشير ثقة ولكلّ سرّ مستودع ، وإنّ الناس قد أبدعت بهم خصلتان :
إذاعة السرّ وترك النصيحة ، وليس موضع السرّ ألّا أحد رجلين : رجل آخريّ يرجو ثواب اللّه ، ورجل دنيويّ له شرف في نفسه وعقل يصون به حسبه ، وهما معدومان في هذا الدهر .
محاسن حفظ اللسان
قال أكثم بن صيفيّ « 1 » : مقتل الرجل بين فكّيه ، يعني لسانه . وقال الشاعر :
رأيت اللّسان على أهله * إذا ساسه الجهل ليثا مغارا
ومنه قول أكثم : ربّ قول أشدّ من صول . وقوله : لكلّ ساقطة لاقطة . الساقطة من الكلام لها لاقطة من الناس .
وقال المهلّب لبنيه : اتّقوا زلّة اللّسان فإني وجدت الرجل تعثر قدمه فيقوم من عثرته ويزلّ لسانه فيكون فيه هلاكه .
وقال يونس بن عبيد : ليست خلّة من خلال الخير تكون في الرجل هي أحرى أن تكون جامعة لأنواع الخير كلّها من حفظ اللسان .
هامش
( 1 ) أكثم بن صيفي التميمي حكيم العرب في الجاهلية أحد المعمرين أدرك الإسلام ، وقصد المدينة في مائة من قومه يريدون الإسلام فمات في الطريق ولم ير النبي توفي سنة ( 9 ه ) .