وكلّهم يذمّ زمانه لأنّه يبلي جديدهم ويطوي أعمارهم ويهرم صغيرهم وكلّ ما فيه منقطع إلّا الأمل . قال : فأخبرني عن فهم . قال : هم كما قال الشاعر :
درج اللّيل والنّهار على فه * م بن عمرو فأصبحوا كالرّميم
وخلت دارهم فأضحت يبابا « 1 » * بعد عزّ وثروة ونعيم
وكذاك الزّمان يذهب بالنّا * س وتبقى ديارهم كالرّسوم
قال : فمن يقول منكم :
رأيت النّاس مذ خلقوا وكانوا * يحبّون الغنيّ من الرّجال
وإن كان الغنيّ أقلّ خيرا * بخيلا بالقليل من النّوال
فما أدري علام وفيم هذا * وما ذا يرتجون من البخال
أللدّنيا فليس هناك دنيا * ولا يرجى لحادثة اللّيالي
قال : أنا وقد كتمتها .
قال : ولمّا دخل عليّ بن أبي طالب ، رضي اللّه عنه ، المدائن نظر إلى إيوان كسرى فأنشده بعض من حضره قول الأسود بن يعفر :
ما ذا أؤمّل بعد آل محرّق * تركوا منازلهم وبعد إياد
أهل الحورنق والسّدير وبارق * والقصر ذي الشّرفات من سنداد
نزلوا بأنقرة يسيل عليهم * ماء الفرات يسيل من أطواد
أرض تخيّرها لطيب مقيلها * كعب بن مامة وابن أمّ دؤاد
جرت الرّياح على محلّ ديارهم * فكأنّما كانوا على ميعاد
فأرى النّعيم وكلّ ما يلهى به * يوما يصير إلى بلى ونفاد
فقال عليّ ، رضي اللّه عنه : أبلغ من ذلك قول اللّه جلّ وعزّ :
كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ وَنَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ
[ الدخان : 25 - 28 ] ، وقال عبد الملك بن المعتزّ : أهل الدنيا كصورة في صحيفة كلّما نشر بعضها طوي بعضها . وقال : أهل الدنيا كركب يسار بهم وهم نيام .
وقال بعضهم : طلاق الدنيا مهر الجنّة .
وذكر أعرابيّ الدنيا فقال : هي جمة المصائب رنقة المشارب لا تمتعك الدهر بصاحب .
هامش
( 1 ) يبابا أي خرابا .