تخطي إلى المحتوى الرئيسي

گزيدهء الاتقان في علوم القرآن — صفحة 327

مساهمون:

ص٣٢٧
على هيئة نظم يتعاطاه البشر ، فيمكن أن يغير بالزيادة والنقصان كحالة الكتب الأخرى . قال وأما الإعجاز المتعلق بصرف الناس عن معارضته فظاهر أيضا إذا اعتبر ، وذلك أنه ما من صناعة محمودة كانت أو مذمومة إلا وبينها وبين قوم مناسبات خفية واتفاقات جميلة ؛ بدليل أن الواحد يؤثر حرفة من الحرف فينشرح صدره بملابستها وتطيعه قواه في مباشرتها ، فيقبلها بانشراح صدر ويزاولها باتساع قلب ، فلما دعا اللّه أهل البلاغة والخطابة الذين يهيمون في كل واد من المعاني بسلاطة لسانهم إلى معارضة القرآن ، وعجزهم عن الإتيان بمثله ولم يتصدوا لمعارضته ، لم يخف على أولى الألباب أن صارفا إلهيا صرفهم عن ذلك ، وأي إعجاز أعظم من أن يكون كافة البلغاء عجزة في الظاهر عن معارضته مصروفة في الباطن عنها . انتهى . وقال السكاكي في « المفتاح » اعلم أن إعجاز القرآن يدرك ولا يمكن وصفه ، كاستقامة الوزن تدرك ولا يمكن وصفها ، وكالملاحة وكما يدرك طيب النغم العارض لهذا الصوت ، ولا يدرك تحصيله لغير ذوي الفطرة السليمة إلا باتقان علمي المعاني والبيان والتمرين فيهما . وقال أبو حيان التوحيدي سئل بندار الفارسي عن موضع الإعجاز من القرآن ، فقال هذه مسألة فيها حيف على المعنى ، وذلك أنه شبيه بقولك : ما موضع الإنسان من الإنسان ؟ فليس للإنسان موضع من الإنسان ، بل متى أشرت إلى جملته فقد حققته ودللت على ذاته ، كذلك القرآن لشرفه لا يشار إلى شيء فيه إلا وكان ذلك المعنى آية في نفسه ، ومعجزة لمحاوله ، وهدى لقائله ، وليس في طاقة البشر الإحاطة بأغراض اللّه في كلامه وأسراره في كتابه ، فلذلك حارت العقول وتاهت البصائر عنده . وقال الخطابي ذهب الأكثرون من علماء النظر إلى أن وجه الإعجاز فيه من جهة البلاغة ، لكن صعب عليهم تفصيلها وصغوا فيه إلى حكم الذوق . قال والتحقيق أن أجناس الكلام مختلفة ومراتبها في درجات البيان متفاوتة ، فمنها البليغ الرصين الجزل ، ومنها الفصيح الغريب السهل ، ومنها الجائز الطلق الرسل ؛ وهذه أقسام الكلام الفاضل المحمود ؛ فالأول أعلاها والثاني أوسطها والثالث أدناها وأقربها ، فحازت بلاغات القرآن