تخطي إلى المحتوى الرئيسي

گزيدهء الاتقان في علوم القرآن — صفحة 325

مساهمون:

ص٣٢٥
من البشر ، وكلام العرب ومن تكلم بلغتهم لا تستمر الفصاحة والبلاغة في جميع أنحائها في العالي منه إلا في الشيء اليسير المعدود ، ثم تعرض الفترات الإنسانية فينقطع طيب الكلام ورونقه ، فلا تستمر لذلك الفصاحة في جميعه ، بل توجد في تفاريق وأجزاء منه . وقال المراكشي في شرح المصباح الجهة المعجزة في القرآن تعرف بالتفكر في علم البيان ، وهو كما اختاره جماعة في تعريفه ما يحترز به عن الخطأ في تأديه المعنى وعن تعقيده وتعرف به وجوه تحسين الكلام بعد رعاية تطبيقه لمقتضى الحال ؛ لأن جهة إعجازه ليست مفردات ألفاظه ، وإلا لكانت قبل نزوله معجزة ، ولا مجرد تأليفها وإلا لكان كل تأليف معجزا ، ولا إعرابها وإلا لكان كل كلام معرب معجزا ، ولا مجرد أسلوبه وإلا لكان الابتداء بأسلوب الشعر معجزا ، والأسلوب الطريق ، ولكان هذيان مسيلمة معجزا ، ولأن الإعجاز يوجد دونه أي الأسلوب في نحو
فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا
« 1 »
فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ
« 2 » ولا بالصرف عن معارضتهم ، لأن تعجبهم كان من فصاحته ولأن مسيلمة وابن المقفع والمعري وغيرهم قد تعاطوها فلم يأتوا إلا بما تمجه الأسماع وتنفر منه الطباع ويضحك منه في أحوال تركيبه ، وبها أي بتلك الأحوال أعجز البلغاء وأخرس الفصحاء ، فعلى إعجازه دليل إجمالي وهو أن العرب عجزت عنه وهو بلسانها فغيرها أحرى ، ودليل تفصيلي مقدمته التفكر في خواص تركيبه ، ونتيجته العلم بأنه تنزيل من المحيط بكل شيء علما . وقال الأصبهاني في تفسيره اعلم أن إعجاز القرآن ذكر من وجهين : أحدهما إعجاز يتعلق بنفسه ، والثاني بصرف الناس عن معارضته . فالأول إما أن يتعلق بفصاحته وبلاغته أو بمعناه ، أما الإعجاز المتعلق بفصاحته وبلاغته فلا يتعلق بعنصره الذي هو اللفظ والمعنى ؛ فإن ألفاظه ألفاظهم ، قال تعالى
قُرْآناً عَرَبِيًّا *
« 3 »
بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ
« 4 » ولا بمعانيه ، فإن كثيرا منها موجود في الكتب المتقدمة قال تعالى و
إِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ
« 5 » وما هو في القرآن من المعارف الإلهية وبيان المبدإ والمعاد والإخبار بالغيب فإعجازه ليس براجع
هامش
( 1 ) . يوسف / 80 . ( 2 ) . الحجر / 94 . ( 3 ) . يوسف / 2 . ( 4 ) . الشعراء / 195 . ( 5 ) . الشعراء / 196 .