تخطي إلى المحتوى الرئيسي

گزيدهء الاتقان في علوم القرآن — صفحة 320

مساهمون:

ص٣٢٠
الذي يشاهد بعين الرأس ينقرض بانقراض مشاهده والذي يشاهد بعين العقل باق يشاهده كل من جاء بعد الأول مستمرا . قال في فتح الباري ويمكن نظم القولين في كلام واحد ، فإن محصلهما لا ينافي بعضه بعضا ولا خلاف بين العقلاء أن كتاب اللّه تعالى معجز لم يقدر واحد على معارضته بعد تحديهم بذلك . قال تعالى
وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ
« 1 » فلو لا أن سماعه حجة عليه لم يقف أمره على سماعه ولا يكون حجة إلا وهو معجزة ، وقال تعالى
وَقالُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ أَ وَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ
« 2 » فأخبر أن الكتاب آية من آياته كاف في الدلالة قائم مقام معجزات غيره وآيات من سواه من الأنبياء : ولما جاء به النبي ( صلّى اللّه عليه وآله ) إليهم ، وكانوا أفصح الفصحاء ومصاقع الخطباء ، وتحداهم على أن يأتوا بمثله وأمهلهم طول السنين فلم يقدروا كما قال تعالى
فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ
« 3 » ثم تحداهم بعشر سور منه في قوله تعالى
أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ
« 4 » ثم تحداهم بسورة في قوله
أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ
« 5 » الآية ، ثم كرر في قوله
وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ
« 6 » الآية ، فلما عجزوا عن معارضته والإتيان بسورة تشبهه على كثرة الخطباء فيهم والبلغاء نادى عليهم بإظهار العجز وإعجاز القرآن فقال
قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً
« 7 » هذا وهم الفصحاء اللدّ وقد كانوا أحرص شيء على إطفاء نوره وإخفاء أمره ، فلو كان في مقدرتهم معارضته لعدلوا إليها قطعا للحجة ، ولم ينقل عن أحد منهم أنه حدث نفسه بشيء من ذلك ولا رامه ، بل عدلوا إلى العناد تارة وإلى الاستهزاء أخرى ،
هامش
( 1 ) . التوبة / 6 . ( 2 ) . العنكبوت / 50 و 51 . ( 3 ) . الطور / 34 . ( 4 ) . هود / 13 و 14 . ( 5 ) . يونس / 38 . ( 6 ) . البقرة / 23 . ( 7 ) . الاسراء / 88 .
گزيدهء الاتقان في علوم القرآن — صفحة 320 | جلال الدين السيوطي / دشتى