تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفن القصصي في القرآن الكريم — صفحة 246

مساهمون:

ص٢٤٦
نلحظ صورة امرأة عمران تلك المرأة المتدينة التي تنذر ما في بطنها للّه وفي سبيل اللّه . ثم نلحظ تلك المسحة الخفيفة من الألم والحسرة التي تطوف بنفسها على أن كانت المولودة أنثى وتلك العاطفة النبيلة أو تلك الرقة وذلك الحنان اللذان يتجليان في توجّهها إلى اللّه من أجل مريم وقولها له
وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ
. واستجاب ربها فأنبتها نباتا حسنا وتقبّلها بقبول حسن وجعلها في كفالة رجل من رجال المحاريب هو زكريا . وهنا نلمح أثر غير العادي في القصة من حوادث خارقة ومعجزات فمريم يأتيها رزقها من السماء وزكريا ينجب فيولد له يحيى وامرأته عاقر وتلك إرادة اللّه واللّه يفعل ما يشاء . ولقد كان هذا الموقف من زكريا بعد توجّهه إلى ربه وطلبه منه ذرية طيبة واستجابة ربه له ثم تعجّبه من تلك الاستجابة محيرا للرازي فيما شرح من تفسير للقصة . وتمضي القصة بعد ذلك ويكفينا منها هذه التوجيهات الدينية التي تتصل بمرادنا وهي قوله تعالى
ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ
« 1 » . وقوله
ذلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ
« 2 » . وقوله
إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
« 3 » . وهكذا نستطيع أن نختم هذا الفصل دون أن يفوتنا لفت الذهن أو تكرير القول بأن أمور الدعوة الإسلامية وشرح عقائدها وتوضيح مبادئها كانت ترد في ثنايا القصة وبين طياتها في كل ما جاء في القرآن من قصص وأنها كانت غرضا لكنه ليس بالغرض الذي تنتهي عنده القصة ويكوّن منها النهاية أو الختام وإنه من أجل ذلك جعلنا هذه التوجيهات من الموضوعات لا من الأغراض .
هامش
( 1 ) سورة آل عمران ، الآية 44 . ( 2 ) نفس السورة ، الآية 58 . ( 3 ) نفس السورة ، الآية 62 .