لأنه كان يسأل حوائج الآخرة ، ويستعظم الحضرة أن يسأل حوائج الدنيا لحقارتها ، وهو في حجاب الحشمة عن سؤال المحقرات .
ولهذا مثال في الشاهد . فإن الملك المعظم يسأل المعظمات ، ويحتشم في طلب المحقرات ، فلما رفع بساط حجاب الحشمة ، صار في مقام خاص من القرب ، يسأل الحقير كما يسأل الخطير .
قال ذو النون المصري : أدب العارف فوق كل أدب ، لأن معروفه مؤدب قلبه .
وقال بعضهم : يقول الحق سبحانه وتعالى : من ألزمته القيام مع أسمائي وصفائى ألزمته الأدب ، ومن كشفت له عن حقيقة ذاتي ألزمته العطب ، فاختر أيهما شئت الأدب أو العطب .
وقول القائل هذا يشير إلى أن الأسماء والصفات تستقل بوجود محتاج إلى الأدب ، لبقاء رسوم البشرية وحظوظ النفس ، ومع لمعان نور عظمة الذات تتلاشى الآثار بالأنوار ، ويكون معنى العطب التحقق بالفناء ، وفي ذلك العطب نهاية الأرب .
وقال أبو علي الدقاق في قوله تعالى :
وَأَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ
( 83 ) « 1 » . لم يقل ارحمني لأنه حفظ أدب الخطاب .
وقال عيسى عليه السلام : ( ( إن كنت قلته فقد علمته ) ) ولم يقل لم أقل رعاية لأدب الحضرة .
وقال أبو نصر السراج : أدب أهل الخصوصية من أهل الدين في طهارة القلوب ، ومراعاة الأسرار ، والوفاء بالعهود ، وحفظ الوقت ، وقلة الالتفات إلى
هامش
( 1 ) سورة الأنبياء : الآية 83 .