وكل مبتدئ لا يحكم أساس بدايته ، بمهاجرة الإلاف والأصدقاء والمعارف ويتمسك بالوحدة لا تستقر بدايته . وقد قيل : من قلة الصدق كثرت الخلطاء ، وأنفع ماله لزوم الصمت ، وأن لا يطرق سمعه كلام الناس ، فإن باطنه يتغير ويتأثر بالأقوال المختلفة .
وكل من لا يعلم كمال زهده في الدنيا وتمسكه بحقائق التقوى لا يعرفه أبدا ، فإن عدم معرفته لا يفتح عليه خيرا . وبواطن أهل الابتداء كالشمع تقبل كل نقش .
وربما استضر المبتدى بمجرد النظر إلى الناس ، ويستضر بفضول النظر أيضا وفضول المشي ، فيقف من الأشياء كلها على الضرورة ، فينظر ضرورة حتى لو مشى في بعض الطريق يجتهد أن يكون نظره إلى الطريق الذي يسلكه لا يلتفت يمينه ويساره ، ثم يتقي موضع نظر الناس إليه وإحساسهم منه بالرعاية والاحتراز ، فإن علم الناس منه بذلك أضر عليه من فعله . ولا يستحقر فضول المشي ، فإن كل شيء من قول وفعل ونظر وسماع خرج عن حد الضرورة جر إلى الفضول ، ثم يجر إلى تضييع الأصول .
قال سفيان : إنما حرموا الوصول بتضييع الأصول .
فكل من لا يتمسك بالضرورة في القول والفعل لا يقدر أن يقف على قدر الحاجة من الطعام والشراب والنوم ، ومتى تعدى الضرورة تداعت عزائم قلبه ، وانحلت شيئا بعد شيء .
قال سهل بن عبد اللّه : من لم يعبد اللّه اختيارا يعبد الخالق اضطرارا .
وينفتح على العبد أبواب الرخص والاتساع ، ويهلك مع الهالكين .
ولا ينبغي للمتبدئ أن يعرف أحدا من أرباب الدنيا ، فإن معرفته لهم سم قاتل . وقد ورد ( ( الدنيا مبغوضة اللّه فمن تمسك بحبل منها قادته إلى
عوارف المعارف — صفحة 597
مساهمون: عمر السهروردي
ص٥٩٧