وقال ذو النون : الشوق أعلى الدرجات وأعلى المقامات ، فإذا بلغها الإنسان أستبطأ الموت شوقا إلى ربه ، ورجاء للقائه والنظر إليه .
وعندي أن الشوق الكائن في المحبين إلى رتب يتوقعونها في الدنيا غير الشوق الذي يتوقعون به ما بعد الموت ، واللّه تعالى يكاشف أهل وده بعطايا يجدونها علما ، ويطلبونها ذوقا ، فكذلك يكون شوقهم ليصير العلم ذوقا وليس من ضرورة مقام الشوق استبطاء الموت ، وربما الأصحاء من المحبين يتلذذون بالحياة للّه تعالى ، كما قال الجليل لرسوله عليه الصلاة والسلام :
قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
. « 1 »
فمن كانت حياته للّه منحه الكريم لذة المناجاة والمحبة ، فتمتلئ عينه من النقد ، ثم يكاشفه من المنح والعطايا في الدنيا ما يتحقق بمقام الشوق من غير الشوق إلى ما بعد الموت .
وأنكر بعضهم مقام الشوق وقال إنما يكون الشوق لغائب ، ومتى يغيب الحبيب عن الحبيب حتى يشتاق ؟
ولهذا سئل الأنطاكي عن الشوق فقال : إنما يشتاق إلى الغائب وما غبت عنه منذ وجدته .
وإنكار الشوق على الإطلاق لا أرى له وجها ، لان رتب العطايا والمنح من أنصبة القرب إذا كانت غير متناهية . كيف ينكر الشوق من المحب فهو غير غائب وغير مشتاق بالنسبة إلى ما وجد ، ولكن يكون مشتاقا إلى ما لم يجد من أنصبة القرب ، فكيف يمنح حال الشوق والأمر هكذا .
ووجه آخر ، أن الإنسان لا بد له من أمور يردها حكم الحال لموضع بشريته وطبيعته ، وعدم وقوفه على حد العلم الذي يقتضيه حكم الحال ، ووجود هذه الأمور مثير لنار الشوق ، ولا نعنى بالشوق إلى مطالبة تنبعث من
هامش
( 1 ) سورة الأنعام : الآية 162 .