ثم هذا الشوق الحادث عنده ليس كسبه ، وإنما هو موهبة خص اللّه تعالى بها المحبين .
قال أحمد بن أبي الحواري : دخلت على أبي سليمان الداراني فرايته يبكى ، فقلت ما يبكيك رحمك اللّه ؟ قال : ويحك يا أحمد ، إذا جن هذا الليل افترشت أهل المحبة أقدامهم ، وجرت دموعهم على خدودهم ، وأشرف الجليل جل جلالة عليهم يقول : بعيني من تلذذ بكلامي واستراح إلى مناجاتي ، وإني مطلع عليهم في خلواتهم ، اسمع أنينهم ، وأرى بكاءهم ، يا جبريل ناد فيهم ما هذا البكاء الذي أراه فيكم ، هل أخبركم مخبر أن حبيبا يعذب أحبابه بالنار ، كيف يجمل بي أن أعذب قوما إذا جن عليهم الليل تملقوا إلى ، فبي حلفت إذا وردوا القيامة على أن أسفر لهم عن وجهي وأبيحهم رياض قدسي .
وهذه أحوال قوم من المحبين أقيموا مقام الشوق ، والشوق في المحبة كالزهد من التوبة ، إذا استقرت التوبة ظهر الزهد ، وإذا استقرت المحبة ظهر الشوق .
قال الواسطي في قوله تعالى : . . .
وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى
« 1 » . قال شوقا واستهانة بمن وراءه
قالَ هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي
. . . « 2 » من شوقه إلى مكالمة اللّه ، ورمى بالألواح لما فاته من وقته .
وقال أبو عثمان : الشوق ثمرة المحبة ، فمن أحب اللّه اشتاق إلى لقائه .
وقال أيضا في قوله تعالى : . . .
فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ
. . . « 3 » تقربه للمشتاقين معناه إني أعلم أن شوقكم إلى غالب ، وأنا أجلت للقائكم أجلا وعن قريب يكون وصولكم إلى من تشتاقون إليه .
هامش
( 1 ) سورة طه : الآية 84 .
( 2 ) سورة طه : الآية 84 .
( 3 ) سورة العنكبوت : الآية 5 .